ومما لا شك فيه أن البصمة الوراثية فيها من زيادة العلم والحذق واكتشاف المورثات الجينية الدالة علي العلاقة النسبية ما لا يوجد مثله في القافة ومع ذلك فإن (القياس وأصول الشريعة تشهد للقافة، لأن القول بها حكم يستند إلي درك أمور خفية وظاهرة توجب للنفس سكونًا، فوجب اعتباره كنقد الناقد وتقويم المقوم) (1) ، ولأن قول القائف (حكم بظن غالب، ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين) (2) فكذلك الحال بالنسبة للبصمة الوراثية لما فيها من زيادة العلم والمعرفة الحسية بوجود الشبه، والعلاقة النسبية ما لا يوجد مثله في القافة، إما يحمل علي الحكم لمشروعية الأخذ بها في مجال إثبات النسب في الحالات التي يجوز فيها الحكم بناء علي قول القافة، قياسًا عليها، ولأن الأصل في الأشياء - غير العبادات - الإذن والإباحة، وأخذًا من أدلة الشرع العامة، وقواعده الكلية في تحقيق المصالح، ودرء المفاسد لما في الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب من تحقيق لمصالح ظاهرة، ودرء المفاسد قصيرة.
قال العلامة بن القيم رحمه الله: (وأصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح يقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب والشارع متشوف إلي اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، ولهذا أكتفي في ثبوتها بأدنى الأسباب من شهادة المرآة الواحدة علي الولادة والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش، فلا يستبعد أن يكون الشبه الخالي عن سبب مقاوم له كافيًا في ثبوته .... ) (3) وقال أيضًا: (بل الشبه نفسه بينه من أقوي البيانات، فإنها أسم لما يبين الحق ويظهره وظهور الحق هاهنا بالشبه أقوي من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط والكذب، وأقوي بكثير من فراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه) (4)
(1) - الطرق الحكمية ص 198 ...
(2) - المغني 5/ 768 ...
(3) - الطرق الحكمية ص 201. ...
(4) - الطرق الحكمية ص 209. ...