الصفحة 32 من 53

الأمر الحقير» [1] .

حرص الأمة على سلامة التلقي من التحريف:

بمعنى لماذا كان سلف الأمة على هذا القدر من الحرص والحذر في توثيق التلقي من السنة النبوية؟

والجواب يكمن في سببين، وهما:

1 -أن هذا السلف رضي الله عنهم آمنوا بهذا الدين إيمانًا مطلقًا، ومن أجل الحفاظ على هذا الدين، حرصوا على أن توثيق السنة التي تعد الشطر الآخر والمصدر الثاني للتلقي، لأن في ضياعها ضياع للدين ومصادره.

2 -لأن هذه الأمة هي أمة الصدق وأمة الأمانة، فلا تأخذ الكلام على عواهنه من غير سند أو دليل، ولا تقف على الأمور المبهمة والغامضة، ولا تبني الأحكام على الظنيات والشكوك، وهذه الصفات هي من آثار التربية الربانية للأمة، يقول الله تعالى: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) ) [2] ، ويقول جل شأنه: (( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) ) [3] .

وقد حذر الرسول عليه الصلاة والسلام من يكذب عليه أو يفتري على حديثه قائلًا: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» [4] . وقوله عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» [5] .

وقد تعرضت السنة النبوية في العصور المتأخرة لهجمات شرسة من أعداء هذا الدين من الخارج متمثلة في الاستشراق والمستشرقين ومن الداخل من أزلامهم وتلامذتهم ومن العقلانيين الذين تبنوا مذهب العقل في تفسير وتأويل النصوص الشرعية.

وتجسدت هذه الهجمات في إثارة الشبهات حول السنة النبوية من جميع الجهات، من حيث شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلقيه للوحي، وكذلك رواة الحديث وأسانيده، وكذلك الطعن

(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص271 - 272. وينظر ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «المنار المنيف» .

(2) سورة الإسراء، الآية 36.

(3) سورة النحل، الآية 105.

(4) صحيح مسلم، برقم5، ص8.

(5) صحيح مسلم، برقم1، ص7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت