ولعل العاقل يأخذ العبرة والحكمة من هذا الحديث الذي يرويه رسولنا عليه الصلاة والسلام عن رجلين من بني إسرائيل، فيكون حذرًا من التفكير الجامد والتعامل القاسي والحكم الصارم على الناس، وليعلم بعد ذلك أن هذا الدين إنما جاء ليخفف عن الناس الأغلال التي كانوا عليها، وأنه لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، ثم ليعلم أن رحمة الله تعالى بعباده أوسع وأكبر مما يتخيله الإنسان بمنظاره الضيق وتصوره القاصر، ثم يعلم في النهاية أن المغفرة والعقاب والجنة والنار شأن إلهي فحسب، يؤتيها من يشاء ويحرمها من يشاء، وأنه ليس من مهمة الإنسان أي يقف قاضيًا ويرصد الناس ويصنفهم ويحدد مصيرهم في الآخرة، وإنما عليه العمل الصالح في الدنيا ورجاء المغفرة والجنة في الآخرة، يقول عليه الصلاة والسلام: «كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبُعثت عليَّ رقيبًا؟ فقال والله لا يغفر الله لك (أو لا يدخلك الجنة) فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا! وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» [1] .
لقد كان منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم منهجًا واضحًا في تلقي التشريع من مصادرها، وكانوا لا يتكلفون ولا يخرجون عن جادة الطريق في سبيل الخوض في معرفة أمور غير مطلوب منهم شرعًا، لذا جاءت أحكامهم صحيحة وسليمة تتلقى القبول من فئات الناس جميعها، إلا أن هذا المنهج إذا اعتراه سبل أخرى للتلقي فإنه يحيد به عن صوابه وستنتج عنه أحكام وآثار تدخل الناس في الاختلاف والافتراق، كما هي الحال في قضية تأويل نصوص التشريع على غير ظاهرها، وقد صبغ به منهج الخوارج والمعتزلة في الماضي فشرخوا صف هذه الأمة ومزقوها فرقًا وأحزابًا لا تزال الأمة تعاني من آثارها، ولا تزال طائفة من الناس تنتهج هذا المنهج في تلقي التشريع من مصادرها وذلك بوضع النصوص الشرعية تحت مجهر العقل والمنطق البشري القاصر، كما هي حال المدرسة العقلية التي ظهرت متأخرًا، ونسيَ هؤلاء أو تناسوا أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أشد الناس حرصًا على هذا الدين ومعرفة أحكامه ولكنهم كانوا يخافون أن يخوضوا في مسائل تجلب إليهم الضرر والفرقة، امتثالًا لقول الله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا
(1) سنن أبي داود، برقم 4901، ص 691.