الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد عانت البشرية كثيرًا ولا تزال تعاني عندما سلّمت مقوماتها وأسباب حضارتها وتقدمها إلى القوانين والنظم الوضعية التي تدير جميع شؤونها وفي جميع أحوالها، فكثرت المظالم، وضاعت الحقوق، وانتهكت الأعراض، وسلبت الأموال، وأهدرت الأرواح والأنفس، في ظل هذه القوانين التي لا تعبر إلا عن رغبات صانعيها وتصوراتهم الناتجة عن استدلالات وتجارب في الحياة ومن نظرتهم إلى الناس بمنظار بشري ضيق وقاصر لا يرقى إلى إشباع رغبات جميع الناس وآمالهم، فضلًا عن اختلاف أجناسهم وأعراقهم وأديانهم وتصوراتهم، لذا كان الفشل والاصطدام بالواقع نهاية هذه القوانين.
كما عانت الكثير من المجتمعات المسلمة في الأزمنة المتأخرة أعباء تلك النُظم والقوانين واكتوت بنار فسادها على جميع المستويات، تارة تحت غطاء اشتراكي وأخرى تحت غطاء رأسمالي، ولم يكن للدين حظ وافر بين تلك النظم، حيث كان غائبًا عن واقع الناس، لا يعرف الكثيرون عنه إلا أنه اعتكاف وذكرٌ في زوايا المساجد القديمة.
وهذه المآسي والمعاناة هي نتيجة حتمية لأي مجتمع أو أمة لا تملك عوامل البقاء ومقومات الحضارة، التي تكمن بالدرجة الأولى في مصادرها التشريعية والتنظيمية، ومدى قدرتها على مواجهة الواقع الذي يتجدد كل حين.
فكان لا بد من منهج أكبر وأشمل من النظم البشرية، تفي بجميع الرغبات وتحقق المصالح التي ترنو إليها نفوس البشر، في الأصعدة كافة، الشخصية والأسرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والدينية، وبيان الصالح من الفاسد، ضمن قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن، وضمن فروع تنبثق من هذه القواعد تتجاوب مع المتغيرات والأحداث في الأمور التي لا تؤثر على تلك الثوابت، وهي المرونة التي اتصفت بها شريعة الإسلام، وجعلتها باقية وثابتة ومتجددة في كل حين وكل حال.
وقد تميزت الشريعة الإسلامية على سائر النظم والنظريات والأديان، في القديم والحديث، بما لديها من مصادر للتشريع وتلقي العلوم والمعارف، التي تستمد قوة بقائها وصلاحيتها من الله تعالى، خالق البشر وفاطرهم، والعالم بحاجاتهم وأشواقهم، الذي وضع لهم هذه المصادر لتكون لهم هدى ورحمة، في تحقيق المنافع ودرء المفاسد.