بِهَا كَافِرِينَ )) [1] .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر (( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) ) [2] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو الكَلَف يا عمر [3] .
ويقول ابن عباس رضي الله عنه: «كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها [4] » .
وهذا يولد الجفوة العلمية في الحياة، فليجأ الناس حينها إلى الكتب والأشرطة وفتاوى طلبة العلم الصغار وكذلك أخذ الفتاوى والأحكام التشريعية من أناس لا يُعرف عنهم العلم والفتوى وغيرها كما يحدث لكثيرين من الناس من أخذ فتاويهم عبر الفضائيات من طلبة العلم أو ربما من أفراد لم يصلوا بعد إلى درجة الفتوى والاجتهاد، وكذلك أخذ البعض فتاويهم عبر غرف المحادثة الصوتية وبعض المواقع العامة من الانترنت، وهذه كلها مظاهر خطيرة وخلل كبير في منهج تلقي التشريع والأحكام من مصادرها الأصلية، ومن أجل ذلك يجب على العلماء والمجتهدين والمفتين أن ينزلوا إلى ميادين الناس ويستمعوا إليهم ويعايشوا مشكلاتهم وأحوالهم، ويزيلوا الحواجز بينهم وبين الناس، كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام مع الصحابة رضوان الله عليهم، وكان يقول لصحابته: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [5] .
وإن ظهور تلك الجموع من العلماء في جميع الفنون والعلوم كان نتيجة عرى العلاقة الوثيقة بين العلماء والمجتمع من حولهم من جهة، ومن جهة أخرى العلاقة الوطيدة بين هؤلاء العلماء والذين تتلمذوا على أيديهم ونهلوا من معين أفكارهم واجتهاداتهم، حيث ساهم هذا الأمر في إثراء الفقه الإسلامي بالأحكام والتشريعات المختلفة التي تناسب النوازل المستجدة والقضايا المستحدثة، مما ميّز هذا الدين بمرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان.
(1) سورة المائدة، الآيتان 101 - 102.
(2) سورة عبس، الآية 31.
(3) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، 2/ 382.
(4) المرجع السابق، 2/ 383.
(5) سنن ابن ماجه، برقم 4032، ص 582.