إن المتأمل في حقيقة مصادر التلقي عند المسلمين سيجد فيها معالم واضحة، تدل على صدقها وصلاحها لجميع الأزمان والأمصار، لأنها من لدن الخالق العليم، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فجعل لهذا الإنسان مصادر يتلقى منها تشريعاته ونظم حياته، ويأخذ منها عقيدته وتصوره عن الكون والحياة والإنسان، ليعرف بعد ذلك كيف يسير في الحياة، ويقوم بواجب الخلقة التي فرضه الله عليه من أشكال العبادات والطاعات (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [1] .
وقد تعددت هذه المصادر حسب تصنيف المجتهدين لها حتى تجاوزت العشرين مصدرًا، من أهمها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا والعرف وسد الذرائع. وقد اختلف العلماء في بعض هذه المصادر من حيث الأخذ بها أو تركها، إلا أن الأمة أجمعت واتفقت على ثلاثة من هذه المصادر في التلقي والتشريع وهي: الكتاب والسنة والإجماع. لذا سيكون مدار هذا البحث في التركيز على المصادر الأساس وهما: المصدران الأولان للتلقي وهو الكتاب والسنة بشكل أساسي ومفصل لأنهما مجال دراستنا الحديثية، ثم التعريج على المصدر الآخر بشكل عام ومجمل. ثم ما يترتب على الأخذ بها من المصالح والمنافع، وما يترتب على البعد عنها من المفاسد.
وإن من الملاحظ على مدار التاريخ أن كثيرًا من المآسي الفردية، والنكبات الجماعية على مستوى المجتمعات والدول تكمن أهم أسبابها في البعد عن هذه المصادر والحيدة عنها، أو في ضلال الطريق السليم في كيفية الأخذ منها، والتعامل معها.
ومن هنا سنتعرض لهذا الأمر العظيم، أعني كيفية التلقي من هذه المصادر، ليتبين الطريق لطالب الحق. جعلنا الله تعالى كذلك.
(1) سورة الذاريات، الآية 56.