الصفحة 30 من 53

3 -معرفة الأشخاص الثقاة والضعفاء، وقد ألّف علماء الأمة في رجال الثقاة والضعفاء كتبًا ومصنفات، لصحة نقل الرواية وسلامتها.

كل هذا من أجل أن تصل الرواية من السلف إلى الخلف صحيحة لا تعتريها زيادة أو نقصان، وعلم الإسناد هو العلم الوحيد الذي يضبط الرواية حيث يدرس حال الراوي من جميع النواحي ثم يحكم عليها بالصحة أو الضعف.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعله سُلَّمًا إلى الدراية. فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات. وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات. وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم. وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد. وعليها من دينهم الاعتماد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل. وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المَين كما يظهر الصبح لذي عينين» [1] .

ولبيان عظمة علم الإسناد في الضبط والتوثيق نورد على سبيل المثال هذه القصة التي تغني سرد مئات القصص التي حدثت مع كثير من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة رضي الله عنهم أجمعين لتوثيق الروايات وضبطها، فقد سافر أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه من المدينة المنورة إلى مصر ليتأكد من صحة حديث يحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عطاء بن أبي رباح: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري (وهو أمير مصر) فأخبره فعجل عليه، فخرج إليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله، قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة، فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر مؤمنًا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة» فقال له أبو أيوب صدقت. ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة، فما

(1) مجموعة الفتاوى 1/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت