الصفحة 29 من 53

الأحاديث، والمقام يطول لذكرها [1] . ولكن بقيت السنة النبوية محفوظة في هذه المرحلة بسبب هذا التمحيص والتدقيق من الصحابة رضوان الله عليهم.

المرحلة الثالثة: عصر التابعين وما بعدهم:

لقد بدأ تدوين الحديث وتوثيقه بصورة أوسع في هذا العصر، لاسيما بعد أن ظهرت بوادر الوضع في الحديث، فكتب الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله إلى عمّاله يأمرهم بكتابة الحديث خوفًا من ضياعه قائلًا: «انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء» وكان من الذين كلفهم بذلك الإمام شهاب الزهري رحمه الله تعالى، وبعدها بدأت حركة تدوين السنة وتمحيصها وتدقيقها، حتى صار علمًا وعملًا خاصًا تفرغ لها العلماء والمختصون، وظهرت مصنفات بهذا الخصوص، مثل: «زهر التصنيف في جمع الحديث» الذي ضم الصحاح والسنن والمسانيد.

فكانت هذه المرحلة حافلة بالجهود العظيمة التي بذلت من أجل حفظ السنة وتوثيقها، حيث جمعت معظم الأحاديث المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع التفريق بين الصحيح والحسن والضعيف، كما ظهرت العناية بالأسانيد أيضًا، إضافة إلى ذلك، اهتم العلماء بكتابة أقوال الصحابة والتابعين في مصنفات منفصلة [2] .

منهج المسلمين في توثيق هذا المصدر (السنة) :

يمكن أن نحصر المنهج الذي اتبعه المسلمون من سلف هذه الأمة في توثيق السنة النبوية، في الإسناد والمتن، وهو منهج فريد تميزت به هذه الأمة عن سائر الأمم والنظم الأخرى.

فأما الإسناد فقد وضع له العلماء ضوابط وأحكام دقيقة وشديدة بالوقت نفسه لأخذ الرواية الصحيحة وترك الضعيفة والموضوعة، ومن جملة هذه الضوابط والمعايير:

1 -أن يكون الراوي عدلًا للرواية، والعدل يعني أن يكون مسلمًا بالغًا وعاقلًا، سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.

2 -الجرح والتعديل: فالجرح هو الطعن في الراوي والتعديل هو تزكيته بالعدالة، ولكل واحد منها شروط ومعايير لأخذ الرواية أو ردها.

(1) يراجع في ذلك كتاب «توثيق السنة» للدكتور رفعت فوزي.

(2) ينظر المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت