وقد يدخل ضمن باب عملت البارحة، شكوى الشاب لمن هو فوقه سنًا وعلمًا ممن يراه في مسائه وصباحه، وهي وإن كانت شكوى للعلاج والاستفتاء إلا أنها خلاف الآداب الشرعية ومنطق الحياء الذي لا يأتي إلا بخير.
وما تلبث الأيام أن تدور دورتها ويفارق الأخ صبوته، ويتخلى عن معصية مولاه، فيشعر أن هذه الصورة قد نقشت في ذاكرة صاحبه وستبقى لا تمحوها الأيام ولا يطمرها النسيان.
ولهذا جاء التوجيه النبوي الكريم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل" [1] .
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه -وكان شهد بدرًا وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه:"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولاتزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عاقبه"فبايعناه على ذلك [2] .
أما ما نقل من مجيء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له شاكين وقوعهم في بعض الذنوب فهي حالات خاصة فالقاعدة خلاف ذلك. ثم يبدو من سياق بعض هذه الأحداث أن الرجل ربما كان يجهل أن له توبة، أو يسأل عن الكفارة وماذا يلزمه. بل وفي بعض هذه الحوادث إنكار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على السائل وأمره بالاستتار مما يدل على أن هذا هو الأصل المتقرر لديهم وما يخرج عن ذلك كله يبقى حالة خاصة لا تشغب على القاعدة العامة.
(1) رواه الحاكم (4/ 425) .
(2) رواه البخاري (18) .