الصفحة 11 من 48

برأسه، فقال له عمر - رضي الله عنه: أرى شعرك شديد الرغبة على زيت المسلمين، ثم أخذ بيده فانطلق إلى الحجَّام فحلق شعره وقال: هذا أهون عليك [1] .

قال حذيفة موصيًا الحريصين على آخرتهم، مَن يريدون نقاء صحائفهم وبيضها يوم القيامة: تعاهدوا أرِقَّاءكم فانظروا من أين يجيئون بضرابهم فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سُحت [2] .

ولهذا قال مطرف بن عبدالله: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صلاة وصومًا وصدقة والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا، قيل له: كيف ذاك؟ قلب: يكون أحدهما أشد ورعًا لله عز وجل عن محارمه [3] .

والمقصود: أن الورع يُطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته. وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة. ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله. ويؤثر كل منها في الآخر. ولهذا نُهي عن لباس الحرير والذهب، وجلود السباع، لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع. وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي. يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها، وبهجتها وكسفتها، حتى أن ثوب البر لَيُعرف من ثوب الفاجر، وليس عليهما.

وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الورع كله في كلمة واحدة فقال:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"فهذا يَعُمّ الترك لما لا يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع [4] .

قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضول.

وفي الترمذي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس"

قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله. ولغلبة الهوى وحظ النفس وشهواتها قال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يُبذلان في طلب الرياسة.

وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا [5] .

وتأمل في حال صدر الأمة الأول وكيف كانوا يتورعون؟

قال بعض الصحابة: كنا نَدَع سبعين بابًا من الحلال مخافة أن

(1) تنبيه الغافلين، ص 245.

(2) الزهد للإمام أحمد، ص 263.

(3) الزهد للإمام أحمد، ص 343.

(4) مدارج السالكين، ص 21.

(5) مدارج السالكين، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت