الْأَزَلِ، وَهُمُ الْكَرَّامِيَّةُ، وَيَطُولُ بِنَا الْقَوْلُ لَوِ اشْتَغَلْنَا
بِمُنَاقَشَةِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَإِفْسَادِهَا، وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ بَيِّنٌ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) مُسْتَقِيمٍ. وَخُلَاصَةُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، يَتَكَلَّمُ بِهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ
لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ بِهِ فَهُوَ قَائِمٌ بِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ؛ كَمَا تَقُولُ
الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا
لَازِمًا لِذَاتِهِ لُزُومَ الْحَيَاةِ لَهَا؛ كَمَا تَقُولُ الْأَشَاعِرَةُ؛ بَلْ
هُوَ تَابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ نَادَى مُوسَى بِصَوْتٍ، وَنَادَى آدَمَ وَحَوَّاءَ بِصَوْتٍ، وَيُنَادِي عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ بِصَوْتٍ، وَلَكِنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا صِفَةٌ لَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَلَا تُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْمَخْلُوقِينَ وَحُرُوفَهُمْ؛ كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَيْسَ مِثْلَ عِلْمِ عِبَادِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَالْآيَتَانِ الْأُولَيَانِ هُنَا وَهُمَا مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ تَنْفِيَانِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَصْدَقَ حَدِيثًا وَقَوْلًا مِنَ اللَّهِ - عز وجل - بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْحَقَائِقِ الْمُخْبَرِ عَنْهَا أَشْمَلُ وَأَضْبَطُ، فَهُوَ يَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَعِلْمُ غَيْرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [1] .. إلخ؛ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَا سَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وَكَلِمَتِهِ عِيسَى عَمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ الَّذِينَ أَلَّهُوهُ وَأُمَّهُ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّخِذُوهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَهَذَا السُّؤَالُ لِإِظْهَارِ بَرَاءَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَسْجِيلِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ عَلَى هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْأَغْبِيَاءِ.
(1) سورة المائدة آية: 116.