(وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [1] .
قَوْلُهُ: (وَتَوَكَّلْ) .. إلخ؛ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنَ الْآيَاتِ سَاقَهَا الْمُؤَلِّفُ لِإِثْبَاتِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
فَالْآيَةُ الْأُولَى فِيهَا إِثْبَاتُ اسْمِهِ الْحَيِّ، كَمَا تَضَمَّنَتْ سَلْبَ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ عَنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ بِحَيَاةٍ هِيَ صِفَةٌ لَهُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، فَلَا يَعْرِضُ لَهَا مَوْتٌ وَلَا زَوَالٌ أَصْلًا، وَأَنَّ حَيَاتَهُ أَكْمَلُ حَيَاةٍ وَأَتَمَّهَا، فَيَسْتَلْزِمُ ثُبُوتُهَا لَهُ ثُبُوتَ كُلِّ كَمَالٍ يُضَادُّ نَفْيُهُ كَمَالَ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا الْآيَاتُ الْبَاقِيَةُ؛ فَفِيهَا إِثْبَاتُ صِفَةِ الْعِلْمِ وَمَا اشْتُقَّ مِنْهَا؛ كَكَوْنِهِ عَلِيمًا، وَيَعْلَمُ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا .. إِلَخْ.
(وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(2) } [2] ، {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [3] ، {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [4] وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [5] ، وَقَوْلُهُ: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) } [6] .
وَالْعِلْمُ صِفَةٌ لِلَّهِ - عز وجل - بِهَا يُدْرَكُ جَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى مَا هِيَ بِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ؛ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَفِيهَا إِثْبَاتُ اسْمِهِ الْحَكِيمِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي لَا يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا الصَّوَابَ، فَلَا يَقَعُ مِنْهُ عَبَثٌ وَلَا بَاطِلٌ، بَلْ كُلُّ مَا يَخْلُقُهُ أَوْ يَأْمُرُ بِهِ فَهُوَ تَابِعٌ لِحِكْمَتِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَمَعْنَاهُ: الْمُحْكِمُ لِلْأَشْيَاءِ، مِنَ الْإِحْكَامِ: وَهُوَ الْإِتْقَانُ، فَلَا يَقَعُ فِي خَلْقِهِ تَفَاوُتٌ وَلَا فُطُورٌ، وَلَا يَقَعُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ أَوِ اضْطِرَابٌ.
وَفِيهَا كَذَلِكَ إِثْبَاتُ اسْمِهِ الْخَبِيرِ، وَهُوَ مِنَ الْخِبْرَةِ؛ بِمَعْنَى كَمَالِ الْعِلْمِ، وَوُثُوقِهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَوُصُولِ عِلْمِهِ إِلَى مَا خَفِيَ وَدَقَّ مِنَ الْحِسِّيَّاتِ وَالْمَعْنَوِيَّاتِ.
وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شُمُولِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِمَا لَا تَبْلُغُهُ عُلُومُ خَلْقِهِ: فَذَكَرَ أَنَّهُ: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ؛ أَيْ: يَدْخُلُ فِي الْأَرْضِ مِنْ حَبٍّ وَبِذْرٍ وَمِيَاهٍ وَحَشَرَاتٍ وَمَعَادِنَ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَأَشْجَارٍ وَعُيُونٍ جَارِيَةٍ وَمَعَادِنَ نَافِعَةٍ كَذَلِكَ، وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ ثَلْجٍ وَأَمْطَارٍ وَصَوَاعِقَ وَمَلَائِكَةٍ، وَمَا يَعْرُجُ؛ أَيْ: يَصْعَدُ (فِيهَا) كَذَلِكَ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَأَعْمَالٍ وَطَيْرٍ صَوَافَّ .. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ جَلَّ شَأْنُهُ.
(1) سورة الفرقان آية: 58.
(2) سورة التحريم آية: 2.
(3) سورة سبأ آية: 2.
(4) سورة الأنعام آية: 59.
(5) سورة فاطر آية: 11.
(6) سورة الطلاق آية: 12.