الدَّاعِيَة البَصِير ..
يحقق مبدأ الوسطية الحقة
الوسطية - أو الوَسَط - كلمةٌ جميلةٌ جليلة، ولا أدلَّ على ذلك من استعمالها وصفًا لهذه الأمة كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] .
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الوسطَ بالعدل كما في الحديثِ الذي أخرجه البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا [1] .
وقال ابن كثير: «ولمّا جعل الله هذه الأمة وَسَطًا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب كما قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] » [2] .
فتبين أنّ الوسطية والتوسط في الدين هي: كل حق بين باطلين من الاعتقادات والأعمال والأخلاق.
فمن سلم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وعَمِلَ بما ورد في القرآن وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقائد والشرائع فهو من أهل هذه الوسيطة والاعتدال والخير، وكلّ من تعدى حدود الشرع أو قصر عن القيام بها فقد خرج عن دائرة الوسطية بحسب عدوانه أو تقصيره.
قال ابنُ القيم: «فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيرُ النَّاسِ النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا وهي الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفى الجور، والتفريط والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها فخيار الأمور أوساطها» [3] .
ومما ينبغي التفطن له خطأ ما انتشر في الكتابات المعاصرة من جعل"الوسطية"حالة تقوم على التوفيق بين السنة والبدعة، بل بين الكفر والإسلام كما في دعوتي التقريب بين السنة والشيعة، والنصرانية والإسلام التي هي فرع عن الدعوة لوحدة الأديان.
(1) (4/ 1632 رقم 4217) .
(2) تفسير القرآن العظيم (1/ 191) دار الفكر.
(3) إغاثة اللهفان (1/ 182) تحقيق: محمد سيّد كيلاني، مكتبة الحلبي.