كذلك أن طالب العلم كما تقدم الإشارة إليه في أبواب الدراية يفرق بين البلدان، أعظم فقه وأنزه فقه على الإطلاق هو فقه الحجاز، مكة والمدينة، أعني في الصدر الأول، فقه المكيين والمدنيين متباين، المدنيون يقدمون على المكيين في سائر الأبواب إلا في أبواب المناسك يقدم المكيون على المدنيين، ولهذا إذا أردنا أن ننظر في مسألة من مسائل الدين في أبواب الفقه، وكذلك في أبواب العلل لو كان لدينا مسألة عامة يستنبط منها طالب العلم استدلالًا في مسألة من المسائل، نقول: دع الاستنباط وانظر إلى فقه السلف في ذلك، إن رأيتهم مجمعين فدع الاستنباط جانبًا، فإن هذا شبيه بالنص، وقريب من الاستدلال إذا كان إجماعًا عن السلف الصالح في ذلك، وهم أيضًا على مراتب في هذا، كما أنه في أبواب الفقه، كذلك أيضًا في أبواب التفسير، منهم من هو من أهل الاختصاص في هذا، وهم ليسوا على طبقة معينة، نجد أن عبد الله بن مسعود من أصحابه من يعتني بالتفسير أكثر من غيره كمسروق بن الأجدع وغيره، ونجد أن من أصحاب عبد الله بن عباس من يعتني بباب من الأبواب كعكرمة مثلًا في أبواب أسباب النزول، ومنهم من يعتني بالمفردات كمجاهد بن جبر، ومنهم من يعتني بلغة العرب، وهذا قد جاء عن جماعة من أصحاب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى كمجاهد بن جبر، ومنهم من يعتني بمسائل أحكام الفقه الحلال والحرام، وهذا كما جاء عن سعيد بن جبير وغيره من التابعين، وهكذا كل صحابي له من أصحابه من هو أهل الاختصاص بباب، فيستطيع طالب العلم أن يرجح عند الاختلاف. وهذا كما أنه يفيد طالب العلم في باب الترجيح عند الاختلاف فيما يتعلق بالفقه، كذلك أيضًا له أثر في أبواب التعليل.