وعليه يعلم: أن الأصل في ذلك أن للإنسان إذا أراد أن يدخل مكة وهو متلبس بعمرة أو بحج أن يغتسل قبل دخوله لها، وأن هذا الحكم باق سواء قد قصرت المسافة أو لم تقصر، وهذا ظاهر الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المسائل النوازل في هذا الباب: أنه يشرع لمن قرب من البيت أن يبتدئ بالطواف من عند الحجر، ومعلوم أن الحجر هو بداية الطواف، وهذا محل اتفاق عند السلف على خلاف عند الفقهاء من المتأخرين. ومن العلامات التي قد وضعت للطواف خط قد أزيل قريبًا يبتدئ من الحجر إلى آخر المطاف، وقد يصل إلى خارج المطاف إلى المباني المسقوفة؛ ليعلم الطائف داخلها داخل القباب ونحو ذلك، ووضعت هذه العلامة أيضًا في الطوابق في الدور الثاني والسطح ونحو ذلك؛ حتى يراها الطائف، هذه العلامة هل هي مشروعة أم لا؟ أولًا يقال: من جهة تأصيل المسألة ينظر إلى أن الطواف لا بد في ابتدائه أن يكون من عند الحجر، ومن طاف من غير الحجر فإن طوافه ذلك باطل، وهذا الذي عليه عامة السلف، وهو قول جمهور العلماء، نص على ذلك غير واحد، منهم: الإمام أحمد ومالك والشافعي، خلافًا للحنفية الذين قالوا: إن الإنسان له أن يطوف سبعة أشواط من أي جهة قد ابتدأ، وهذا القول لا يعول عليه. ومعلوم أن الحنفية من جهة التأصيل والقواعد لديهم أنه لا يشترط عندهم في أبواب العبادات ترتيب ولا موالاة؛ وعليه حينئذ يأخذون بعض الأفعال التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب أو يجعلونها على وجه الاتفاق. وعلى هذا يقول أهل الرأي: إن من طاف منكسًا فابتدأ من الحجر الأسود إلى الركن اليماني ثم إلى الحجر الأسود، أن طوافه صحيح، وهذا القول لا يعول عليه، وهو مخالف لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقر عليه العمل، وهو من الإحداث في دين الله.