أما إذا كان وجدها خالية ولا يعلم أهلها ومن غادرها، فإنها ملك لغيره لا يجوز لأحد أن يأتي فيها، وهذا هو ظاهر هذا التخريج. وقد يقال: إنه على قول عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه يجوز للإنسان أن يسكن فيها؛ لأنه قد منع من إغلاق الدور سواء كانت للملك أم لغيره، فإذا خليت وهي ملك لأحد جاز سكناها، بعد أن أخلاها من كان فيها، فإذا غادر فمن باب أولى. وهذا قول وجيه بالترجيح جدًا.
ويتفرع عن هذه المسألة أيضًا مسألة: البناء بالمشاعر، وهي إنشاء مبانٍ غير الخيام. مسألة الخيام وبناؤها أقول: لا فرق بين بناء الخيام وتأسيسها بأعمدة حديدية ونحو ذلك، ووضع قواعد لها في الأرض، وبين بناء الإسمنتية، ولا أدري ما هو وجه التفريق بينهما عند من قال بعدم جواز البناء. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن البناء جائز في المشاعر، وأن البناء هو أولى من هذه الخيام؛ لتشابه حال الخيام الحالية من جهة التأسيس والتكاليف المادية، ومعلوم أنه يتبع ذلك التأسيس تأجير لها على غيرها، ومعلوم أن الخيام إذا قيل بأنها أيسر وتكاليف مئونة، لكنها تؤجر أغلى من غيرها من الأماكن التي هي خارج من مكة والتي تبنى بحجر، سواء بالعزيزية أو ما كان قريبًا من الحرم، فتؤجر هذه الخيام بآلاف لثلاثة أيام، لا شك أن هذا يدل على أن هذه الخيام لم تؤجر لأجل تلك الخيمة بذاتها وإنما لأجل ذلك البناء وتلك البقعة، فلما كان كذلك، فيكون مسألة بناء الدور جائزًا من باب أولى من جهة نظري. كذلك ما يتحقق فيه من المصلحة أن بناء الطوابق المتعددة فيه من التيسير ما فيه؛ فإن الخيام إذا كانت خيامًا متجاورة فإنها تأخذ من المساحات الشاسعة ما يتزاحم فيه الناس، كذلك فيه دفع للمشقة لزحام الناس، وتحقيق المصالح من جهة النفرة إلى المشاعر، وكذلك النفرة إلى الطواف والإفاضة بالبيت ورمي الجمرات ونحو ذلك، فيتحقق فيه ما يتحقق.