هؤلاء الأعضاء الذين لم يكن يُلفت انحرافهم أحدًا الشيخ راشد! فالتركيز كان منصبًا على الأصول لا الفروع، وعلى القيادات لا المتابعين.
ثم تلاحقت الأحداث وتوالت ما بين تقلبات سياسية وفكرية شملت قطاعًا عريضًا من العاملين للإسلام في السنين الأخيرة، فإذا بالشيخ راشد بعد أن شب عن الطوق (يتمرد) على مدرسته الأولى ويتفلت من كثيرمن ضوابطها ولوازم الانتساب لها. ويبدأ ينظر إلى تراثها نظرة الناقد المتفحص لا نظرة المريد الناشئ [1] . وهذا في حد ذاته مما يسر أهل الحق لو أن الشيخ استثمر انقلاباته تلك في عرض مبادئ تلك الدعوة على الكتاب والسنة، فأخذ والتزم منها ما وافقهما، وتخلص مما خالفهما، وهو ما نتمناه من كل (إخواني) .
ولكن المؤسف أن الشيخ - هداه الله - قد زاد الطين بلة، والخرق اتساعًا، بانسياقه المتسارع خلف تيارات عقلية منفلتة من سلطة نصوص الكتاب والسنة، مقدمة عقولها وأهواءها على شريعة ربها، مما جعل المسافة تزداد بينه وبين الحق.
فأصبح يتهاوى بين حين وآخر في منزلق خطير قاده إليه تنازلاته المتكررة لصالح التيار (العقلاني) الجديد الذي استطاع أن يجد له موطئ قدم في عقلية الغنُّوشي الجديدة!
(1) والمتمردون على منهج جماعة الإخوان المسلمين - ممن كانوا رموزًا فيها - كثيرون، كالترابي وعبد الله النفيسي وإسماعيل الشطي وغيرهم.
وفي ظني أن سبب تمرد الكثيرين على الإخوان يعود إلى أمرين:
1 -... طول الأمد وعدم تحقيق الهدف الذي قامت الجماعة لأجله، وهو إعادة الحكم الإسلامي، برغم السنين الطويلة التي مرت على الجماعة، وهذا ما يدعو هذه الفئة (المتمردة) إلى الانفضاض عن مبادئ الجماعة، والطعن فيها، وانتقادها، وأنه لا شك في جود خلل فيها، فلهذا يلجأ هؤلاء إلى غيرها أو إلى الإنشقاق عنها بفكر جديد يزعم أنه يتفادى به ما وقعت فيه جماعته، وهكذا دواليك!
2 -... ضجرهم من حصر الجماعة نفسها طوال هذه السنين الماضية منذ نشأتها في تراث حسن البنا، وعدم محاولتها تجديده، أو تقبل النقد له، فيلجأ هؤلاء (المتمردون) بما أوتوه من عقل نقدي إلى تسليط مجهر النقد على ذلك التراث (البنائي) ، مما يثير رؤوس الجماعة، وعندها يحدث الانشقاق أو الانفصال. كما سيأتي في مثل حالة (الإسلاميين التقدميين) في تونس.
ولكن المؤسف أن معظم هؤلاء المتمردين يلجأ بعد انفصاله عن الإخوان إلى الفكر العقلاني المتحرر من الضوابط الشرعية، فيفسد أكثر مما يُصلح، ويزيد من جراح الأمة وخلافاتها. ولو أنه لجأ إلى منهج الكتاب والسنة لوجد الأجوبة الشافية لحيرته وشتاته، ولقلل من الخلافات والنزاعات بين أفراد الأمة، والله المستعان.