كل هذا لا جواب عنه عند الغنُّوشي وغيره من الحركيين.
وهو - في ظني - حيدة عن أمر مهم واقع لا محالة، وهو تصارع وتناحر التيارات حال وصولها إلى الهدف. فينقل الصراع من كونه بين إسلاميين ولا إسلاميين الآن، إلى أن يصبح صراعًا عنيفًا بين الإسلاميين أنفسهم [1] ، بسبب هذا الإرجاء في تنقية الساحة الإسلامية وتصفيتها من كل ما يخالف الكتاب والسنة، دون مجاملة أو مداراة لأحد، ودون الاغترار بفكرة (التجميع) التي غرت الكثير من دعاة الإسلام، فأصبحوا يحرصون عليها (بهدف التكاثر) أكثر من حرصهم على تراص وترابط والتقاء الصف المؤمن على مذهب السلف الذي يضمن لهم - بإذن الله - التآخي والمحبة والاجتماع، كما قال تعالى {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وقال {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} .
نسأل الله أن يعي الغنُّوشي وإخوانه من الدعاة هذا الأمر المهم الذي يقود التساهل فيه إلى التناحر والتفرق ولو بعد حين، أما الاهتمام به الآن فإنه - وإن سبَّب تضايقًا من البعض - لا شك موصلنا إلى تحقيق الجسد المؤمن الواحد - بإذن الله.
فما مثل من يتساهل فيه إلا كمثل رجل مريض يُخشى عليه تزايد مرضه، إلا أنه لم يصبر على ألم العلاج، ورضي بأن يوهم نفسه بأنه في صحة وعافية، إلى أن قضي عليه بعد فترة يسيرة.
وآخر رضي بألم العلاج المؤقت، فعاش بقية عمره الطويل في عافية وخير. والله الهادي.
انحرافات الغنّوشي:
وقد قسمتها على خمسة مواضيع (كبرى)
(1) ويذكرني هذا بما حدث في أفغانستان، حيث كان الناصحون أيام الجهاد مع الروس يطالبون القادة بتصفية خلافاتهم والتقائهم على عقيدة السلف الصالح، ونبذ البدع والخرافات والتعصبات المذهبية قبل النصر على الأعداء، خشية أن ينشب الصراع بينهم إذا ما تساهلوا في ذلك، ولكن البعض لم يعجبه هذا المسلك، ورأى أن من المناسب إرجاء الخلافات إلى ما بعد النصر على العدو! بل شنعوا على المصلحين أنهم أهل فتنة! فلما تم النصر - ولله الحمد - ماذا كان الحال؟! الجواب يعرفه كل متابع.