الصفحة 10 من 48

يقول الدكتور: (كان التونسيون مع أواخر الستينيات، يخرجون من مرحلة أرهقتهم على أكثر من صعيد. كان تأسيس الدولة الوطنية قد تم على حساب حرياتهم الأساسية، واستقلالية منظماتهم وشبكات مجتمعهم المدني، حيث غابت كل مظاهر التعددية التي ميزت حياتهم العامة حتى من قبل نشوء الحركة الوطنية. كما أسهمت سياسة الاقتصاد الموجه والتخطيط المركزي والاشتراكية الزراعية التي اتخذت شكل النظام التعاضدي، في تمتيع البلاد ببنية تحتية متطورة نسبيًا، لكنها أربكت التجار والفلاحين الصغار والكبار، نظرًا لحجم الارتجال وسوء التطبيق اللذين صاحبا التجربة مركزيًا وجهويًا، وتجذر قيمة الملكية الفردية في الأنفس، والرفض الطبيعي عند الناس لكل أشكال مصادرة حقوقهم وممتلكاتهم. كما زادت تجربة الستينات برمتها في توسيع دائرة تدخل الدولة في حياة المواطنين، والتحكم بشكل مخيف في مصائرهم. كان لذلك أثر بالغ في اهتزاز شرعية السلطة السياسية لديهم. وإذا كان الطلبة، خاصة اليساريين منهم، أول من عارض بقوة وجرأة على منطق وصاية الدولة وأبوة الحكم منذ أواسط الستينات، فإن آخرين أخذوا يشككون في سلامة الاختيارات الاجتماعية والثقافية الرسمية، ويتحدثون عن وجود رغبة شعبية للعودة إلى التدين وتنشيط مظاهر الانتماء والهوية. وهو ما يفسر الحركية التي بدأت تشهدها المساجد منذ أواخر الستينات، والمساجلات التي عكستها بعض الصحف في تلك المرحلة. كما كشفت تلك الحركية عن وجود شريحة من الرأي العام التونسي لم يهضم الإصلاحات التي أنجزتها البورقيبية خاصة في مجال تطوير أوضاع المرأة والأسرة.

تأكد ذلك عندما قررت السلطة عام 1969م القيام باستشارة عامة في أعقاب تجربة التعاضد، محاولة منها لامتصاص الغضب والخيبة الجماعية، وبحثًا عن فرصة للتأمل وإعادة ترتيب البيت. عندئذ تبين لها أن الهاجس الثقافي الديني قد احتل مكانة بارزة في نقاشات المواطنين، شملت حتى أبناء الحزب الحاكم. ورغم بعض الإجراءات الشكلية التي لجأت إليها الحكومة قصد إرضاء الشعور الأخلاقي لدى قطاعات عريضة من المواطنين، كالقيام بحملة ضد حاملات"الميني جيب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت