الصفحة 11 من 48

وإجبار الشباب على قص شعورهم الطويلة، إلا أن السلطة والنخبة لم يفكرا بشكل أعمق في المسألة الدينية وآفاق تطورها.

تاريخيًا مرت علاقة بورقيبة بالإسلام بمرحلتين مختلفتين تمامًا. في الأولى، كان يعمل من جهة على الانفراد بزعامة الشعب التونسي وتعبئته ضد السياسات الاستعمارية، وكان من جهة أخرى يلتزم بالدفاع الشديد عن القيم الإسلامية، داعيًا إلى الحفاظ حتى على بعض التقاليد التي ليست بالضرورة ملزمة من الناحية الشرعية. وبلغ به الأمر إلى التخلي عن المصلح الطاهر الحداد عندما شن عليه المحافظون حربًا لا هوادة فيها بسبب كتابه"امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، رغم إيمان بورقيبة بكل حرف ورد فيه. كانت الأولوية عنده كسب الرأي العام، والحرص على ربط صلات وثيقة ببعض العلماء والشخصيات الزيتونية الذين رأوا فيه صفات الرجل السياسي المصلح الذي سيعيد للدين شأنه وسموه. حتى عندما انفجر الخلاف بينه وبين منافسه الأمين العام للحزب الدستوري صالح بن يوسف عام 1955م، حاول كل منهما استعمال الشعور الإسلامي والحجة الدينية لاستمالة الرأي العام. فإذا كان بن يوسف قد علل رجوعه إلى تونس لمقاومة رئيس الحزب بالعمل"من أجل خدمة مصلحة الوطن ودين الله"، فإن بورقيبة اضطر لإقناع التونسيين بضرورة القبول باتفاق الاستقلال الذاتي الذي أبرمه مع فرنسا واعتبره خصومه خيانة وعمالة، فدعاهم إلى الاهتداء بسلوك الرسول الذي لم ينكث عهوده واتفاقياته.

بعد الاستقلال تغيرت علاقة بورقيبة بالمسالة الدينية تغيرا يكاد يكون جذريًا. فإذا كان قد حاول في المرحلة السابقة أن يوظف الشعور الإسلامي لصالح الأفكار الوطنية المناهضة للاستعمار، فإنه عمل في المرحلة الثانية على إخضاع الإسلام من خلال الهيمنة على مؤسساته أو إلغائها، ولو بشكل تعسفي أحيانًا، لصالح سياسات الدولة وأولوياتها. لم يكن بورقيبة مع مبدأ فصل الدين عن الدولة الذي دافع عنه بعض اليساريين والعلمانيين في ما بعد. لو فعل ذلك لاضطر أن يعطي للحياة الدينية ومؤسساتها قسطًا هاما من الحرية والاستقلالية بينما كان تصوره للدولة تصورًا شموليًا. لهذا عمل منذ البداية على تفكيك المؤسسات الدينية الفاعلة ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا وإلغائها، كما حصل للمؤسسة الزيتونية. اعتبر الدولة مسؤولة عن تنظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت