فالتربية الحزبية الجماعية المغروسة منذ الصغر أو منذ اندراج الإنسان في العمل الإسلامي عبر هذه الجماعة لا يزول أثره بالكلية مهما حاول المرء التخلص منه.
كم منزلٍ في الدهر يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزل!
وهكذا كان الغنُّوشي! فهو منذ تطلعه للعمل من أجل الإسلام ساقته قدماه نحو الانضمام إلى هذه الجماعة المنتشرة بين قطاعات الشباب في زمنه، فتربى على أدبياتها، وانغرست في نفسه معالمها المميزة لها عن غيرها، وهو ما يسميه العارفون بالحق الكامن في الكتاب والسنة (انحرافات) ، وإن كان غيرهم يراه (فضائل) أو مميزات!!
إذن: لم يكن هناك استغراب من وقوع الغنُّوشي في تلكم الزلات، لأنه مجرد فرد ضمن منظومة كبرى من الأفراد الذين تضلعوا في هذا الأمر فأصبحوا يرونه خلاف ما يراه الآخرون ولات حين خلاص.
بمعنى آخر: كيف تريد من شخص أن يتخلص من انحراف يراه هو من ضروريات العمل الإسلامي في هذا الزمان، ويسخر ويسفه من ينتقده أو يعترض عليه؟
لا شك أن الخلاص من أمر كهذا يعد من أعسر الأمور، وأشدها على نفس الإنسان، والتوفيق من عند الله يمن به على من يشاء من عباده.
هذا ما كان قديمًا: عندما كان الغنُّوشي مجرد عضو من أعضاء تلكم الجماعة، أو وكيل لها في أرض تونس لا يملك تجاه إرشاداتها ومتطلباتها إلا السمع والطاعة، لذا فلم يكن انحرافه مما يثير أي متابع للساحة، لتعود المرء على مثل هذه الانحرافات من أفرادٍ كثيرين ينتمون لهذه الجماعة، ممن هم أعلم وأفقه من الشيخ راشد [1] ، فكانت انتقادات المنتقدين لمسالك الجماعة المنحرفة تنصب عليهم دون غيرهم من الأعضاء الآخرين الذين هم مجرد متابعين لتلك الزعامات: ومن
(1) كالغزالي والقرضاوي مثلًا. ولأهل السنة ردود كثيرة على انحرافاتهما.