الصفحة 15 من 48

هكذا اكتملت مقومات التأثير والاستقطاب الثلاثة. العامل الأيديولوجي في مرحلة صعود الأيديولوجيات الشمولية. والعامل التنظيمي ممثلا في الانخراط في تجربة جاهزة وخبرة ترجع إلى أواخر العشرينات. وعامل القدوة المحرضة على الالتزام الأخلاقي والشجاعة الأدبية والتضحية في سبيل فكرة والصمود عند المحنة.

سرعت هذه العناصر، إضافة إلى غياب نموذج محلي يمكن الاقتداء به، في إجراء الاتصالات الأولى بالتنظيم الدولي للإخوان، دون دراسة معمقة ونقدية لتاريخ وتجارب هذه الحركة قصد معرفة إمكانية الانتماء إليها. كان ذلك أو لقرار عاطفي وارتجالي تتخذه"الجماعة"في بداية نشأتها. لقد اتخذ القرار المبدئي للانتماء إلى جسم هلامي، لم يقدر حجمه الحقيقي، ولم يدرس برنامجه الثقافي والسياسي ولم يقع التساؤل حول الأسباب العميقة التي جعلته متعثرًا في مساره، ومتأزمًا في علاقاته الداخلية والخارجية. لم يطرح سؤال على هذا الجسم الذي ما أن خرج أصحابه لتوهم من أجواء السجون والإبعاد، حتى عادت قيادته لتنشيطه بأي طريقة دون الرغبة في دراسة عوائقه الذاتية والأسباب التي وراء عجزه عن التصدي للضربات المتوالية. كان الحرص أكثر على إظهاره في صحة جيدة، وتجنب إخضاع تاريخه للنقد الذاتي.

هذا الانتماء غير المدروس والمتعجل أسهم بشكل قوي في وقوع الجماعة في نوع من الاغتراب المحلي. فالعناصر الأولى لم تتلق ثقافة أولية تربطها بالواقع الثقافي التونسي، وتحدد لها علاقتها بتاريخ تونس الحديث بدءًا من الحركة الإصلاحية وصولًا إلى العهد البورقيبي، مما كان له التأثير السيئ على علاقة الأفراد المنتمين ببيئتهم الثقافية والسياسية، ومما دفع إلى ظهور عوامل الاختلاف والافتراق.

أما الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية أن النواة الأولى التي تولت استقطاب وتكوين العناصر الموالية لم تكن متسلحة بعقلية نقدية تمكنها من التعامل مع تراث الإخوان بموضوعية وحذر. كان الانبهار والاستهلاك السريعان غالبين في عملية استيعاب الأدب الإخواني وترويجه. وهو الأمر الذي ساعد كثيرًا على ابتلاع الفكر القطبي (نسبة لسيد قطب رحمه الله) ، بما فيه من متطلبات وانزلاقات خطيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت