ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم، بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه صلى الله عليه وسلم، في أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة رضي الله عنها: ( .... أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته، فاجعله له زكاة وأجرًا) [1] وأما الحديث الثاني: فهو بلفظ: (اللهم اجعله هاديًا ومهديًا واهد به) . أو (اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهده وأهد به) أو (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب وأدخله الجنة) . وقد سبق تخريجه قريبًا. ومعاوية من أعدل ملوك الأرض وقد ذكر عند الأعمش عمر بن عبد العزيز وعدله: فقال: (كيف لو أدركتم معاوية؟) . قالوا: في حلمه؟ قال: (لا والله، بل في عدله) . وقد مدح أبو الدرداء صلاته لأهل الشام فقال: (ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا) . يعني: معاوية [2] قال ابن عباس رضي الله عنه: (ما رأيت رجلًا أخلص بالملك من معاوية) . وقال عمير بن سعد الأنصاري الأوسي، وقد عزله عمر بن الخطاب عن حمص وولى معاوية: (لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(اللهم اهد به ... ) . وهذا من إنصاف عمير رضي الله عنه. وقد روى ابن قتيبة عن عتبة بن مسعود قال: (إنه لما مر بنا نعي معاوية، قمنا فأتينا ابن عباس فوجدناه جالسًا قد وضع له الخوان وعنده نفر، فأخبرناه الخبر، فقال: يا غلام ارفع الخوان، ثم سكن ساعة ثم قال:(جبل تزعزع ثم مال كلكله. أما والله ما كان كمن قبله، ولكن لن يكون بعده مثله، وإن كان ابنه خير أهله) [3] وقيل أيضًا لابن عباس: (هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة، فقال: إنه فقيه) [4] روى الحافظ ابن عساكر عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: (إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليًا. فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما رضي الله عنهما) . فمعاوية يعتبر خليفة لحديث الشعبي عن مسروق بن الأجدع الهمداني الإمام القدوة قال: (كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:(اثنا عشر، كعدة نقباء بني إسرائيل) [5] وصححه شيخ الإسلام في (قاعدة) كما في حاشية (العواصم من القواصم) . للحافظ ابن العربي (208/ 209) . ولحديث جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة) . قال: ثم تكلم بكلام خفي عليّ فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كلهم من قريش) [6] ومعاوية منهم بلا شك، لأن الأئمة قد اتفقوا على أن عمر بن عبد العزيز منهم، ومعاوية أفضل منه. لما نقله القاضي عياض أن رجلًا قال للمعافي بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: لا يقاس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه. وسئل ابن المبارك قيل له يا أبا عبد الرحمن: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا الشرف الأعظم. وفي لفظ: (الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون بعد ذلك ملكًا) . صححه الحافظ في (التقريب) . وحسنه الترمذي، وابن حبان وغيرهم. قال الخلال في (السنة) . (659) : (أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم، قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله، ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون، ونبين أمرهم لللناس) . وسنده صحيح. وروى الخلال (660) : (أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(خير الناس قرني الذي بعثت فيهم) . وسنده صحيح، كيف يأمر بقتل ابن عباس ثم هو يمدحه ويقول: (ما رأيت رجلًا أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب، لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب -يعني: ابن الزبير -وسيأتي- ومنها أنه بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالخلافة حيث قال: نظر إلي رسول الله فقال: يا معاوية إذا ملكت فأحسن. فقال: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال رسول الله:(إذا ملكت فأحسن) . رواه أحمد بسند صحيح لكن فيه إرسال وصله أبو يعلى بسنده الصحيح. ولفظه: عن معاوية أنه صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: توضؤوا فلما توضؤا نظر إلي فقال: (يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله وأعدل) . وفي رواية للطبراني في الأوسط: (فاقبل من محسنهم واعف عن مسيئهم) . وروى أحمد بسند حسن آخر يقاربه أن معاوية أخذ الإداوة لما اشتكى أبو هريرة أي: لأنه كان هو الذي يحملها، وسار معاوية بها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يوضئ رسول الله صلى الله عليه
(1) - رواه مسلم وراجع (السلسلة الصحيحة) (1/ 95) و (العواصم من القواصم) (ص213) .
(2) - انظر: (منهاج السنة) (3/ 185) .
(3) - أين عبد السلام ياسين من هذا القول؟ ومن قوله في (ص246/ 249) : (الخطبة السيفية/ السيف وشراء الضمائر) .
(4) - رواه البخاري في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك/ 62/ ب/ 28) (4/ 219) .
(5) - والحديث في مجمع الزوائد (5/ 190) وفي مسند أحمد (5/ 86 و87 بثلاث روايات و88/ 89/90، بثلاث روايات و92 بثلاث روايات و93 بروايتين و94/ 95/96 بروايتين و97 بروايتين و98 بثلاث روايات و99 بثلاث روايات و100/ 101 بروايتين و106 بروايتين و107 بروايتين و108) وفي مسند أبي داود الطيالسي (ح967/ 1278) .
(6) - رواه مسلم في كتاب الإمارة (ك/ 33 ج5/ 6/7/ 8/9/ 10) و (6/ 3/4) وانظره: في كتاب الأحكام من صحيح البخاري (ك/93/ب/51ج8/ 125/127) وفي فتح الباري (13/ 162 وما بعدها) وفي سنن أبي داود (ك/35/ح1) وفي جامع الترمذي (ك/31/ب/36) .