المبحث الثاني: مكانة الإمام في الإسلام
الإمامة في الصلاة لها مكانة عظيمة في ديننا الحنيف. وذلك لأنها نظام إلهي يرشدنا الله تعالى فيه عمليًا إلى أهداف سامية: من حسن الطاعة، والإقتداء بالقادة في مواطن الجهاد، كما أنها -أيضا- درس عملي في حسن طاعة القائد المسلم في المعروف (إنما الطاعة في المعروف) [1] ولقد أحسن شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: (لقد كانت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور في الدولة الإسلامية. أن الأمير هو الذي يكون إمامًا في الصلاة والجهاد. وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على حرب كان هو الذي يتولى إمامة الصلاة وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة، كما استعمل عناب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبي العاص على الطائف وعليًا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن وعمرو بن حزم على نجران وكان نائبه، صلى الله عليه وسلم هو الذي يصلي بهم ويقيم فيهم الحدود وكذلك خلفاؤه وبعده ومن بعدهم من الأمويين وبعض خلفاء العباسيين، وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد) [2] ومما يدل على مكانة الإمامة في ديننا الحنيف وضع شروط وصفات لا بد من توافرها في الإمام قبل أن يتقدم ليؤم الناس في صلاتهم، فالإمامة مرتبة عالية وفضيلة ظاهرة لا يستحقها إلا من هو أهل لها. أما في عصرنا فالمحارب تشكو إلى الله من هؤلاء الأنجاس الملقبين بالأئمة -أعود وأقول: إن الإمامة لها فضل عظيم في الإسلام -لكن الأئمة المبتدعة جعلوها دكانًا يرتزقون منها ويصطادون منها فتات الفقراء والأغنياء جعلوها بازًا لاصطياد وسخ المصلين، ولذا لا يتورعون عن ارتكاب البدع المربحة لهم ولو كانت بدعة مكفرة فدينهم وسنتهم المال المال فالله الله من هؤلاء -فقد تواترت الأدلة في بيان فضلها ومنزلتها. كتابًا وسنة.
أما الأدلة من الكتاب فلم يرد ما يخص إمامة المسجد وحدها بالتفضيل بل جاءت الآيات عامة كما تقدم في (المبحث الأول) ، أما الأدلة من السنة فهي كثيرة وكثيرة جدًا منها:
أولًا: حديث مالك بن الحويرث وفيه: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شيبة متقاربون فأقمنا معه عشرين ليلة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحيمًا رفيقًا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم) [3] .
ثانيًا: قال أبو حازم كان سهل بن سعد الساعدي يقوم فتيان قومه يصلون بهم فقيل له: تفعل ولك من القِدَم مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم وإن أساء -يعني- فعليه ولهم) [4] وفي رواية لأبي هريرة مرفوعًا: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم) [5] .
ثالثًا: عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن أبي علي المصري قال: سافرنا مع عقبة بن عامر الحهني فحضرتنا الصلاة فأردنا أن يتقدمنا قال: قلنا: أنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتقدمنا قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من أم قومًا فإن أتم فله ولهم التمام وإن لم يتم
(1) - رواه النسائي في البيعة رقم (4134) وأبو داود في الجهاد رقم (2256) وأحمد في مسند العشرة رقم (588 - 686 - 969) .
(2) - انظر: مجموع الفتاوى (28/ 260 - 261) .
(3) - وجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم قال في الأذان: (أحدكم) مما يدل على أنه لا يعتبر السن والفضل في الأذان كما يعتبر في إمامة الصلاة ولهذا قال لهم: (وليؤمكم أكبركم) وذلك لاستوائهم في القراءة والفقه مما يدل على فضل الإمامة، وأنها أفضل من الأذان، لأن كون الأشرف أحق بها مشعر بمزيد فضل لها كما قال الشوكاني في (نيل الأوطار) (1/ 11) والحديث رواه البخاري في كتاب الأذان رقم 592 - 594 - 595 - وأحمد في مسند المكبين 15045 ومسند البصريين 19624 -والنسائي في الأذان 631 - 632 والدارمي في كتاب الصلاة 1225.
(4) - رواه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها رقم (971) وأحمد وصححه الألباني في الصحيحة (4/ 128) وفي صحيح ابن ماجة.
(5) - رواه البخاري في كتاب الأذان رقم 653 وانظره أيضًا بحاشية السندي باب: إذا لم يتم الإمام ولم يتم من خلفه (1/ 128) .