وفي المبحث أربع مسائل:
1 -المسألة الأولى: في تعريف المبتدع لغة وشرعًا، وفي تعريف مادة (بدع) . وأصل اشتقاقها.
2 -المسألة الثانية: في تعريف الفاسق لغة وشرعًا، وفي تعريف مادة فسق عند اللغويين.
3 -المسألة الثالثة: في إيضاح يتعلق بالفسق، وفي تقسيمه إلى أكبر وأصغر، وفي ضابط كل منهما.
4 -المسألة الرابعة: في حكم إمامة المبتدع والفاسق، عند الصحابة والأئمة، وعند السلف الصالح.
1 -المسألة الأولى: في تعريف المبتدع لغة وشرعًا وفي تعريف مادة (بدع) وأصل اشتقاقها، اختصارًا أقول: أصل مادة (بدع) هي: الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [1] أي: مخترعها على غير مثال سابق متقدم. وقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ) [2] أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ الطريقة لم يسبقه إليها سابق وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله، وما لا يشابهه، ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة. فاستخرجه للسلوك عليها هو الابتداع، وهيأتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة، فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة وهو إطلاق أخص منه في اللغة [3] قال ابن منظور: (بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه: أنشأه وبدأه والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال [4] وابتدعت الشيء: اخترعته لا على مثال قال الله تعالى:(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه المخترع لا عن مثال سابق) [5] هذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله مبتدعًا. أقول: البدعة في اللغة: اسم هيئة من الابتداع كالرفعة من الارتفاع وهي: كل شي أحدث على غير مثال سابق، سواء أكان محمودًا أم مذمومًا، وهي مأخوذة من بدع الشيء يبدعه بدعًا إذا أنشأه واخترعه.
قال ابن فارس: (بدع، الباء والدال أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال) [6] (فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات ومجالس صاحبها ينزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها -بل فما الظن بمن يصلي وراءه- وهو ملعون على لسان الشريعة ويزداد من الله بعبادته بعدًا، وهي مظنة إلقاء العداوة ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها وليس له من توبة، وتلقي عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخاف عليه أن يكون معدودًا في الكفار الخارجين عن الملة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا ويسود وجهه في الآخرة، ويعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة) [7] لولا الإطالة لبينت لك أخي القارئ الآثار السيئة للبدعة على المبتدع مثل: عدم قبول عمله، وخذلانه في الدنيا والآخرة، وبعده عن الله، وأنه يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله في الآخرة، وأن الرسول قد تبرأ منه ومن جميع المبتدعة الأنجاس، وأن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأن الله لا يوفقه للتوبة، وأن المبتدع يخاف عليه من سوء الخاتمة، وأن المبتدع يطرد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الآثار الخبيثة والخطيرة.
(1) - البقرة: الآية: 117 الأنعام: 101.
(2) - الأحقاف: الآية: 9.
(3) - انظر: عقيدة المسلمين (ص253) والاعتصام للشاطبي (1/ 35) .
(4) - وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة. والبديع: المحدث العجيب ... وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياه. وهو البديع الأول قبل كل شيء، ورجل بدع وامرأة بدعة: إذا كان غاية في كل شيء، كان عالمًا أو شريفًا أو شجاعًا) (لسان العرب) (مادة بدع) (8/ 6/ 7) .
(5) - انظر: لسان العرب (بدع 8/ 9) دار صادر والاعتصام (1/ 37) ط: دار المعرفة 1402هـ.
(6) - انظر: معجم مقاييس اللغة (1/ 209) ومن أراد الزيادة في مادة بدع فعليه بكتاب (محبة الرسول بين الاتباع والابتداع) من (ص213 إلى 313) .
(7) - انظر: (الاعتصام) (1/ 106 - 107) .