الصفحة 41 من 80

تعريف البدعة شرعًا: [1]

اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة شرعًا، فمنهم من جعلها في مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما أحدث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان محمودًا أم مذمومًا، ولعل أحسنها وأوضحها وأجمعها وأقومها: (الطريقة المخترعة في الدين تضاهي الشريعة، يقصد بها التقرب إلى الله، ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح أصلًا أو وصفًا) [2] قلت: (يقصد بها التقرب إلى الله) : خرجت البدع الدنيوية كالسيارات والبارود والطائرات وتصنيف الكتب وما أشبه ذلك، فكلها وسائل مشروعة لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنص، وهي التي تقبل التقسيم إلى الأحكام الخمسة، لا البدعة الدينية، وهذا كما يقال: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . وليس كما قال العز بن عبد السلام في تقسيم البدع الدينية إلى خمسة أقسام [3] وقيل: (عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه [4] قال الشيخ البليهي رحمه الله:(وأقسام البدعة في الدين أربعة: القسم الأول: البدعة المكفرة: وهي صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والنذر، والذبح، القسم الثاني: بدعة محرمة كالتمسح بتراب القبور، القسم الثالث: بدعة مكروهة كراهة تحريم، كقول بعضهم في الأذان: حي على خير العمل، القسم الرابع: بدعة مكروهة كراهة تنزيه) [5] أقول: البدعة لغة لها معنيان:

أحدهما: الشيء المخترع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ) [6] أي: ما كنت أول المرسلين فقد أرسل قبلي رسل كثير، جئت على فترة منهم، ويقال لمن أتى بأمر لم يسبق إليه أحد: أبدع وابتدع وتبدع: أي أتى ببدعة، ومنه قول الله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) [7] وبديع السماوات والأرض صفة من صفات الله تبارك وتعالى لإبداعه إياها وإحداثه لها لا عن مثال سابق، لقوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [8] .

الثاني: التعب والكلال، يقال: أبدعت الإبل إذا بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال، وقد لا يكون الإبداع إلا بظلع، يقال: أبدعت به راحلته إذا ظلعت [9] إلا أن المعنى الثاني يعود إلى الأول، لأن معنى أبدعت الراحلة، بدأ بها التعب بعد أن لم يكن بها، وقد أشار ابن منظور [10] إلى هذا المعنى فقال: (كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعًا أي: إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها: ومنه الحديث:(كيف أصنع بما أبدع علي منها؟) [11] وكذلك ابن الأثير في (النهاية ... ) [12] ومما سبق يتبين أن البدعة اسم هيئة من الابتداع، وهي كل ما أحدث على غير مثال سابق، وهي تطلق في عالم

(1) - عندما أتحدث عن حكم إمامة المبتدع فإني لا أعني به صاحب البدعة المكفرة، فحكم الصلاة خلفه كحكم الصلاة خلف الكافر سواء بسواء.

(2) - انظر: (الاعتصام) (1/ 37) للشاطبي، دار المعرفة -بيروت.

(3) - انظر: (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) عز الدين بن عبد السلام (2/ 172 - 174) دار الكتب العلمية -بيروت. وتقسيم البدع إلى حسنة، وقبيحة، أو محمودة، ومذمومة، تقسيم لا مستند له في الشرع، وكيف يكون له أصل وهو ينافي صريح القرآن وصحيح السنة؟

(4) - الاعتصام للشاطبي (1/ 47 وما بعدها) .

(5) - الأحقاف: الآية: (9) .

(6) - سورة الحديد: الآية: (27) .

(7) - سورة البقرة: الآية: (117) .

(8) - انظر: (لسان العرب) لابن منظور (8/ 7) دار صادر -بيروت. و (القاموس المحيط) للفيروز آبادي (3/ 3 - 4) المؤسسة العربية للطباعة والنشر.

(9) - في (لسان العرب) (8/ 8) .

(10) - انظر (عقيدة المسلمين) (ص253) .

(11) - أخرجه مسلم.

(12) - النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت