الصفحة 64 من 80

فمما لا يخفى على من شم رائحة الإيمان، أن الله عز وجل اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليكون سيد ولد آدم، وسيد الأولين والآخرين بلا فخر، وجعله خاتم الأنياء، وجعل شريعته أكمل الشرائع وأتمها، وأنزل عليه أفضل كتاب، وتكفل بحفظه، وتحدى به الإنس والجن، ثم اختار لهذا الكتاب وهذا الدين، حملة وثقلة، صحبوا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، واتبعوا النور الذي أنزل إليه ومعه، وصاروا له وزراء مخلصين، وأنصارًا محبين، وأعوانًا صادقين، فارقوا الأوطان، وهجروا الولدان، يذبون عن شريعة الرحمن، وينافحون من أجل تبليغ سنته صلى الله عليه وسلم، والكتاب الذي جاء به، هانت عليهم أرواحهم في سبيل الله، ورخصت عندهم من أجله أموالهم، ومدحهم الله في القرآن بأوصاف كثيرة. واستأمنهم الله على تبليغ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فالطعن فيهم طعن في نبيه، وفي كتابه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم من أهل الجنة، حيث قال: (لن يدخل النار رجل شهد بدرًا والحديبية) [1] وقال: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخل الناس) [2] وقال: (والذي نفسي بيده ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، وأرجو أن لا يدخلها أحد حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من ذريتكم مساكن في الجنة) [3] وأوصانا بهم خيرًا فقال: (استوصوا بأصحابي خيرًا) [4] وأمرنا بحبهم، فقال: (لا يغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) [5] وقال في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله) [6] ونهانا عن سب أحد منهم، أو تتبع عوراتهم، فقال: (لاتسبوا أصحابي، فلو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) [7] وأخبر أنهم خير الناس حيث قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ... ) [8] .

ومن أصول أهل السنة: محبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، والاستغفار لهم، واعتقاد أنهم أفضل الأمة، وذكرهم بالخير، وعدم التبري من أحد منهم، وترك الخوض فيما حصل بينهم من الفتن [9] فقد أحبهم الله رضي الله عنهم، وأثنى عليهم في غير موضع من كتابه، وأحبهم النبي صلى الله عليه وسلم ونوه بفضلهم، ونهى عن سبهم، والتعرض لهم بالأذى- قال الله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [10] وقال: واصفًا حب المؤمنين لمن سبقهم من إخوانهم: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [11] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني) [12] وقال: (لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) [13] ويجب أن نشهد بالجنة لمن بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم: العشرة وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه شهد لهؤلاء العشرة بالجنة، ولغيرهم من بعض أفراد الصحابة رضوان الله عليهم، منهم: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أمير المؤمنين.

(1) - رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم.

(2) - رواه الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(3) - رواه أحمد بإسناد صحيح.

(4) - رواه أحمد بإسناد صحيح.

(5) - رواه مسلم.

(6) - متفق عليه.

(7) - رواه البخاري في صحيحه وغيره.

(8) - متفق عليه.

(9) - ورحم الله من قال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا.

(10) - (سورة الفتح، الآية: 18) .

(11) - (سورة الحشر، الآية 10) .

(12) - أخرجه البخاري (5/ 2 - 3) بلفظ: (خير أمتي قرني) وفي رواية: (خير الناس قرني) وأخرجه الترمذي (5/ 695) وقد سبق تخريجه.

(13) - أخرجه البخاري (5/ 10) ومسلم (7/ 188) وأبو داود (4/ 514) والترمذي (5/ 696) وهو في المسند (3/ 11) وقد سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت