استدل من يرى الصلاة خلف الفاسق والمبتدع -وهو استدلال باطل ومردود على صاحبه، لأن الأدلة التي أوردها تنص على مشروعية الصلاة خلف أئمة الجور ونوابهم، لا على مشروعية الصلاة خلف المبتدعة والطرقية بجميع أشكالها وأنواعها -بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطأوا فلكم وعليهم) [1] . وفي رواية لابن حبان: (يكون أقوام يصلون فإن أتموا فلكم ولهم) . وفي رواية للشافعي من طريق صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (يأتي قوم فيصلون لكم فإن أتموا كان لهم ولكم، وإن نقصوا كان عليهم ولكم) . وفي رواية للنسائي من حديث ابن مسعود مرفوعا بلفظ: (لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة) [2] . وفي رواية لأبي داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا بلفظ: (من أم الناس فأصاب الوقت فله ولهم) . وفي رواية لأحمد في هذا الحديث بلفظ: (فإن صلوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم) .
الدليل الثاني: حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال:(صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة) وفي رواية بلفظ: (يا أبا ذر إنه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها كانت لك نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك) [3] قال النووي عند شرحه لحديث أبي ذر المذكور آنفًا: (والمراد تأخير الصلاة عن وقتها المختار لا عن جميع الوقت فإن المنقول عن الأمراء إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع) [4] قال الشوكاني: (فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين -إنما هو تأخير عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع) . قال شيخنا محمد الزمزمي رحمه الله: (فقد دل حديث أبي ذر -المتقدم -على أن الصلاة وراء الإمام الذي يصلي الصلاة في غير وقتها المختار- لا تصح لأنها لو كانت صحيحة لما أمر النبي أبا ذر أن يصلي وحده ويترك الصلاة مع الجماعة الواجبة على كل مسلم وما هي العلة التي لأجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وراء الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار ... ؟ أهي بطلان الصلاة؟ هو(العلة) . لأن العلماء متفقون على أن تأخير الصلاة عن وقتها المختار لا تبطل به الصلاة وإذا كان كذلك فالعلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها عن الصلاة وراء الأئمة المذكورين في الحديث هي: مخالفة السنة بتأخير الصلاة عن وقتها الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها فيه ومعنى هذا: أن الإمام الذي يخالف السنة لا تصح الصلاة وراءه لأنها لو صحت وراءه لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر أن يصلي وحده ويترك الصلاة مع الجماعة التي هي واجبة عليه ومن أنكر أن تكون علة النهي عن الصلاة وراء الأئمة المذكورين في الحديث هي مخالفة السنة فإنه لا بد له من أن يعترف بعلة أخرى وهي: أن تأخيرهم الصلاة عن وقتها المختار معصية ظاهرة وهذه علة صحيحة.
ولكن صحتها متوقفة على ثبوت أن (الأمويين) . كانوا يؤخرون الصلاة إلى وقت العصيان فإذا ثبت ذلك فإن معناه ما قلناه وهو أن الإمام المتجاهر بالمعصية لا تصح الصلاة وراءه ولا يخفى أن ذلك العمل الذي هو معصية -بإقرار المنكر- هو مخالفة للسنة كما لا يخفى على كل عاقل منصف وعلى ذلك فحديث أبي ذر دليل واضح على أن الصلاة وراء المبتدع ومتجاهر بالفسق غير جائزة فهمنا ذلك من أن العمل الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وراء الأئمة لأجله له ثلاث صفات: الأولى: بطلان الصلاة، الثانية: مخالفة السنة، الثالثة: المعصية، فنظرنا فوجدناها لا تصح لأن تكون علة للنهي المذكور لأنها لا وجود لها في ذلك العمل باتفاق العلماء -كما تقدم- فعلمنا أن علة النهي إنما هي الصفتان: الثانية والثالثة فقلنا بمقتضى ذلك) [5]
(1) - رواه البخاري في صحيحه (رقم: 694) وغيره.
(2) - قال الحافظ في (الفتح 2/ 149) : حديث حسن.
(3) - رواهما أحمد (5/ 147 - 149) ومسلم (648) .
(4) - ولا يعكر على ما قاله النووي -من أن الحجاج أخر صلاة الجمعة يومًا حتى خرج وقتها لأن ذلك نادر -والنادر لا حكم له- لا يجوز حمل الأخبار عليه كما هو معلوم لأن الذي وردت به الآثار الحديثية والتاريخية أن الذي كان من عادة الأمويين هو تأخير الصلاة عن وقتها المختار راجع (الموطأ) (1/ 11 وما بعدها رقم 1 الزرقاني) و (فتح الباري) (2/ 2 وما بعدها) .
(5) - أقول: انتهى بلفظه وهو مقيد مع ركاكة تعبيره.