أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية) [1] . وفي رواية: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) . أن المراد بها مات عاصيًا، وليس كافرًا، إذ الباغي كذلك وهو مسلم [2] . ومن أدلته: حديث حذيفة بن اليمان قال: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام) . قال صلى الله عليه وسلم: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك) [3] . فبين أن الإسلام يصح رغم غياب جماعة المسلمين -بالمعني السياسي الشرعي- وغياب المسلمين، ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم إن الإسلام لا يصح في هذه الحال. ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أسلم كثير من الناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروه ولم يبايعوه ولم يقيموا بدار الإسلام في المدينة، ومن هؤلاء من مات في حياته صلى الله عليه وسلم كالنجاشي ملك الحبشة، ومنهم من عاش بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وهم التابعون المخضرمون، ولم يقدح هذا في إسلام أي الفريقين، فهذا ما يتعلق بالرد على بعض شبهات القائلين بالتوقف في الحكم بإسلام المسلم مستور الحال، وقد رتب البعض على التوقف في شأن المسلم مستور الحال ترك الصلاة خلفه، وهذه بدعة أخرى، فقد قال ابن تيمية رحمه الله: (وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة أو جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، والله أعلم) [4] . وقال أيضًا: (يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم من بدعة ولا فسقًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، وليس من شرط الإتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال) [5] . أما إذا علم من إمام الصلاة فسق أو بدعة فحكمه كما قال ابن تيمية:
(ما زال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق ... ولم يقل أحمد إنه لا تصح الصلاة إلا خلف من أعرف حاله) [6] . وحتى لو كان المسلم مستور الحال هو في الحقيقة كافرًا -كبعض الشيوعيين والعلمانيين والمحاربين لله ورسوله- وظهرت منه علامة الإسلام كالصلاة فحكم بإسلامه بما ظهر منه، وصلى خلفه وهو لا يعلم حقيقته وأنه كافر كفرًا ظاهرًا فصلاته صحيحة، قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا صلى خلف من شك في إسلامه أو كونه خنثى فصلاته صحيحة ما لم يبن كفره وكونه خنثى مشكلا، لأن الظاهر من المصلين الإسلام سيما إذا كان إمامًا، والظاهر السلامة من كونه خنثى سيما من يؤم الرجال، فإن تبين بعد الصلاة أنه كافر أو خنثى فعليه الإعادة على ما بينا، وإن كان الإمام ممن يُسلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم على أي دين هو) [7] . فإذا كانت صلاته خلف من يشك في كفره صحيحة، فصلاته خلف من يجهل كفره صحيحة من باب أولى. هذا ما يتعلق بالمسلم مستور الحال وهو من أظهر علامات الإسلام فحُكم بإسلامه ولا يعرف عنه ناقض من نواقض الإسلام. أقول بعد هذه الجولة الطويلة: من ترك الصلاة وراء إمام مستور الحال لا يعرف منه بدعة ولا فسق ولم يشتهر بصلاح بين الناس فهو مبتدع، فـ (الصلاة خلف مستور الحال جائزة بلا خلاف بين الأئمة، وقالوا من ترك الصلاة خلفه فهو مبتدع [8] والله تعالى أعلم وأحكم وللموضوع بقية.
(1) - رواه الشيخان بلفظ قريب منه وأحمد والنسائي وغيرهم.
(2) - وقد بوب البخاري لهذه المسألة في كتاب الإيمان من صحيحه في باب (المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) وذكر فيه حديث أبي ذر مرفوعًا (إنك امرؤ فيه جاهلية) .
(3) - رواه البخاري في كتاب الفتن (13/ 25 رقم 7084 الفتح) (ورقم 3606 وفي 61 كتاب المناقب 25 باب علامات النبوة في الإسلام 3338) ومسلم في كتاب الإمارة ص/ 1475 - 1476 رقم 1847 - 3434) وأحمد في باق مسند الأنصار (رقم 22352) وأبو داود الفتن والملاحم (رقم 3706) وابن ماجة في كتاب الفتن رقم 3969 - 3971 والبيهقي (8/ 156) .
(4) - انظر: (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (4/ 542) .
(5) - انظر: (مجموع الفتاوى) (23/ 351) .
(6) - انظر: (مجموع الفتاوى) (3/ 280) و (23/ 340 - 359) وقد نقل شارح العقيدة الطحاوية معظم كلام ابن تيمية هذا عند شرحه لقول الطحاوي (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم) (ص421 - 426) ط: 1303هـ.
(7) - انظر: (المغني مع الشرح الكبير) (2/ 34) .
(8) - انظر: (الجامع لطلب العلم الشرعي) (2/ 554) والمدخل لابن الحاج ومتن العزية.