الصفحة 33 من 80

من كفر أو فسق بشروطه كما قال ابن تيمية: ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة، بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها) [1] . ويعني بالكلمة: الإقرار بالشهادتين، و (أما قول الإنسان(لا إله إلا الله) . من غير معرفة لمعناها ولا عمل به، أو دعواه أنه من أهل التوحيد وهو لا يعرف التوحيد بل ربما يخلص لغير الله من عبادته من الدعاء والخوف والذبح والنذر والنذر والتوبة والإنابة وغير ذلك من أنواع العبادات فلا يكفي في التوحيد، بل لا يكون إلا مشركًا والحالة هذه) [2] وتأمل قوله: (فلا يكفي في التوحيد) . ولم يقل: (فلا يكفي للحكم بإسلامه) . فالحكم يثبت له بأي من علامات الإسلام، أما على الحقيقة فإن أتى ببقية شروط صحة الشهادين نفعته في الآخرة وإلا فلا، ولا يجب علينا اختباره في الدنيا للتحقيق من إتيانه بهذه الشروط بل يثبت له حكم الإسلام ثم يحاسب على تقصيره فيه، وكثيرًا ما يدخل الخطأ على البعض من عدم التمييز بين الحكم بالإسلام في الظاهر الذي تجري عليه أحكام الدنيا من عصمة الدم والمال وصحة التناكح والتوارث، وبين الإسلام الحقيقي الذي تجري عليه أحكام الآخرة من الثواب والعقاب عند الله تعالى. قال ابن تيمية رحمه الله: (فإن كثيرًا ممن تكلم في(مسائل الإيمان والكفر) - لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام) [3] . قال الشيخ الحافظ الحكمي: (ثم اعلم -يا أخي- أرشدنا الله وإياك أن التزام الدين الذي يكون به النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وبه يفوز العبد بالجنة ويزحزح عن النار إنما هو ما كان على الحقيقة في كل ما ذكر في حديث جبريل وما في معناه من الآيات والأحاديث، وما لم يكن منه على الحقيقة ولم يظهر منه ما يناقضه أجريت عليه أحكام المسلمين في الدنيا ووكلت سريرته إلى الله تعالى، قال الله تعالى:(فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ) وفي الآية الأخرى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) وغيرها من الآيات). والحاصل أنه لا توقف ولا تبين مع المسلم مستور الحال، ولا يتوقف الحكم بإسلامه على تعلمه بعض مسائل الدين -بل يحكم بإسلامه ثم يجب عليه تعلم الدين ... وليس هذا التعلم شرطًا للحكم بإسلامه. قال ابن حجر رحمه الله:(قال الغزالي: أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين.

وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها، لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية -إلى أن قال ابن حجر- قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة) [4] .

ومن شبهات الذين قالوا بالتوقف والتبين: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التبين كما في حديث الجارية وكما في آية الممتحنة، وهذا حق ولكنه لا يدل على العموم ولو كان هو القاعدة لأجراه النبي صلى الله عليه وسلم ثم الأئمة من بعده مع كل من يدخل في الإسلام. والصواب أن التبين في هذه الأحوال كان لأسباب معينة وستأتي الإشارة إليها في القسم التالي وهذا من التبين الشرعي، أما تبين حال المسلم مستور الحال فهذا تبين بدعي.

ومن شبهات الذين قالوا بالتوقف والتبين: اشتراط شروط معينة لأجل الحكم بالإسلام لشخص ما. مثل أن يكون في جماعة إسلامية ومبايعًا لأمير هذه الجماعة سواء كانت جماعة معينة أو مطلقة. وهذا قد يجب أحيانًا كما ذكره صاحب كتاب (العمدة) . ولكن ليس شرطًا لصحة الإسلام لا حكمًا ولا حقيقة ومن أدلة ذلك: أن الرجل إذا أسلم بدار الحرب ولم يهاجر -إما لعجزه وإما لتمكنه من إقامته دينه بها -فهو مسلم رغم أنه ليس بجماعة [5] . ولا مبايعًا لأمير. وقد وصف الله من كان هذا حاله بالإيمان -المقصود الإيمان الحكمي- كما قال تعالى: (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ) [6] . وقال تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ) [7] . ومن أدلته وصف الباغي بالإيمان: وهو المسلم الخارج على جماعة المسلمين وإمامهم، فلم يبايعه أو بايعه فخرج عليه ونقض بيعته وشق عصا طاعته، فهو مع بغيه هذا ما زال مسلمًا كما قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) [8] . فسماه مؤمنًا مع البغي، وبهذا يتبين أن الجاهلية في قوله صلى الله عليه وسلم (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه ما

(1) - انظر: (مجموع الفتاوى) (7/ 258) .

(2) - انظر: (تيسير العزيز الحميد) (ص140) ط: المكتب الإسلامي 1409هـ.

(3) - انظر: (مجموع الفتاوى) (7/ 472) و (معارج القبول) (2/ 37) .

(4) - انظر: (فتح الباري) (13/ 349 - 352) .

(5) - بأن إذا قام دين الله واتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافق الحق فهو وحده جماعة لقول ابن مسعود: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) رواه اللالكائي انظر: الحديث عنه في كتابي (الجهل والإجرام في حزب العدل والإحسان) (1/ 51) تحت عنوان (كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ولا إمام؟) .

(6) - سورة النساء: الآية: 92.

(7) - سورة الفتح الآية: 25.

(8) - سورة الحجرات الآية: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت