الصفحة 32 من 80

منها: أنه لا يكفي الإقرار بالشهادتين للحكم بإسلام شخص ما بل لا بد من تبيّن التزامه بالشريعة، والحق أن هذا الالتزام لا بد منه لصحة الإسلام فمن أقر ولم يصل فليس بمسلم، ولكن الصواب الذي دلت عليه النصوص هو أنه يحكم بإسلام الشخص بمجرد الإقرار ولا يتوقف الحكم عليه حتى يحين وقت الصلاة لينظر هل يصلي أم لا؟ بل إذا جاء وقت الصلاة أُلزم بها، فإن لم يصل حكم بردته ويستتاب قال ابن تيمية رحمه الله: (والأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ألزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة، بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها) [1] . وإنما يلزم بالصلاة في وقتها ويعاقب على تركها لأن إقراره بالشهادتين متضمن للالتزام بالأحكام، وهذا هو الفرق بين قول السلف الذين قالوا: إن الإقرار هو إخبار عن تصديق القلب وإنشاء للالتزام بالشريعة وبين قول المعاصرين الذين لا يرون الإقرار متضمنًا للالتزام بل يعتبرون تبين الالتزام شرطًا مستقلًا للحكم بالإسلام، والنصوص التي أشرنا إليها أعلاه وكلام ابن رجب يبين صحة قول السلف وخطأ قول المعاصرين، وقال ابن رجب أيضًا: (من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإن دخل في الإسلام بذلك ألزم ببقية خصال الإسلام) [2] . وفي بيان تضمن الإقرار الالتزام بالشريعة قال ابن تيمية رحمه الله: (ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق كما قال تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [3] . فالميثاق المأخوذ على أنهم يؤمنون به وينصرونه، وقد أُمروا بهذا، وليس هذا الإقرار تصديقًا فإن الله لم يخبرهم بخبر، بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا به وينصروه، فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه، فهذا هو إقرارهم -إلى أن قال- ولفظ الإقرار يتناول الالتزام والتصديق ولا بد منهما) [4] .

ومن شبهات من قالوا بالتوقف والتبين: القول بأن الحال تغير، والناس اليوم يقولون الشهادة ولا يعرفون معناها، فلا بد من اختبارهم في فهمهم لمعناها وما تدل عليه من النفي والإثبات، أي: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وهذا الشرط لا يدل عليه دليل شرعي بل يخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إذ لم يتوقفوا في إثبات الإسلام لمن أقر بالشهادتين حتى يختبروه في فهمه المعنى المراد بهما، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) [5] وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [6] كما أن أصحاب هذا الشرط يشكل عليهم حديث ذات أنواط، فالذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط لم يعلموا أن هذا يناقض معنى الشهادتين- ولفظ الحديث كما عند أحمد حيث قال: (حدثنا حجاج حدثنا ليث يعني ابن سعد حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ثم الجندعي عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين قال وكان للكفار سدرة يكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى:(اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) إنها لسنن لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة) [7] . والصواب في هذا أن العلم بمعنى الشهادة كما في حديث عثمان بن عفان [8] . عند مسلم والإخلاص فيها واليقين وغيرها من شروط صحة شهادة (لا إله إلا الله) . المذكورة بكتب الاعتقاد، هذه شروط صحة الإسلام الحقيقي الذي ينفع صاحبه في الآخرة [9] . أما في أحكام الدنيا فالإسلام الحكمي يثبت بالنطق بالشهادتين، ومن قصّر في دينه بعد ذلك حكم عليه بحكمه الشرعي

(1) - انظر: (مجموع الفتاوى) (7/ 258) .

(2) - انظر: (جامع العلوم والحكم) (ص21) .

(3) - سورة آل عمران آية:18.

(4) - انظر: (مجموع الفتاوى) (7/ 396 - 397) ومثله في (7/ 530 - 531) .

(5) - رواه البخاري في كتاب الصلاة رقم 436 والبيوع رقم 2010 - 2023 والعتق رقم 2373 ومسلم في كتاب العتق رقم 2762 - 2763 والترمذي في كتاب الوصايا رقم 2050 وأبو داود في كتاب العتق رقم 3428 والنسائي في كتاب الطلاق رقم 3397 والبيوع رقم 4577 وابن ماجة في كتاب الأحكام رقم 2512، وأحمد في كتاب باقي مسند الأنصار رقم 24339 - 34603 - 23381 - 24329 ومالك في الموطأ كتاب العتق والولاء رقم 1275.

(6) - رواه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الأقضية رقم 3243 وأحمد في كتاب باقي مسند الأنصار رقم 23975 - 24298 - 24995.

(7) - رواه الترمذي في كتاب الفتن من جامعه رقم 2106 وأحمد في مسند الأنصار رقم 20892 - 20895.

(8) - راجع الكلام عليه بتوسع في كتابي (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم؟) .

(9) - انظرها في (معارج القبول) (2/ 377 - 386) و (فتح المجيد) (ص88) وكتابي (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم؟) وكتاب (الهادي إلى طلب العلم) (2/ عند بيان فرض العين من العلم بالفصل الثاني من الباب الثاني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت