وردت في هذا الموضوع أحاديث كثيرة في غاية الصحة تبين للمسلمين من هو الأولى بإمامتهم في الصلاة؟ ومن هو الأحق بها وأهلها أورثة ملك الموت من المبتدعة؟ أم ورثة الأنبياء من العلماء الفضلاء؟ ...
ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) [1] قوله (إذا كانوا ثلاثة) : مفهوم العدد هنا غير معتبر لما سيأتي في حديث مالك بن الحويرث. وقوله: (وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) وقوله في الحديث الآخر: (يؤم القوم أقرؤهم) : فيه حجة لمن قال: يقدم الأقرأ على الأفقه، وإليه ذهب الأحنف بن قيس، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابهما، وقال مالك، والشافعي، وأصحابهما والهادوية، الأفقه مقدم على الأقرأ [2] قال الشافعي: (المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم فإنهم كانوا يسلمون كبارًا ويتفقهون قبل أن يقرؤوا فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، ويوجد الفقيه وهو ليس بقارئ قلت: وهذا يتجلى كثيرًا في أهل المشرق خذ مثلًا الشيخ الألباني في علم الحديث ما شاء الله ولكنه ليس قارئًا -أعني ليس حاملًا لكتاب الله وقد قالها بنفسه وهذا ليس طعنًا كما قد يفهم ذلك بعض من يصطاد في الماء العكر -ودعاة الأردن لا يحفظون كتاب الله ودعاة السعودية، والكويت، لا يحفظون كتاب الله- إلا قلة منهم معدودين على رؤوس الأصابع - لكنهم في الخطابة- تجدهم أُسد المنابر يهزون أعوادها هزًا. وهذا النوع في المغرب قليل-
ثانيًا: حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء [3] فأعلمهم بالسنة [4] فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمه إلا بإذنه) [5] وفي رواية: (سلمًا بدل سنًا) [6] ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، إلا أن الحاكم قال: عوض قوله (فأعلمهم بالسنة) . (فأفقههم فقهًا
(1) - رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة (1/ 464/ رقم 1077) والنسائي كتاب الإمامة رقم 774 - 831 - وأحمد في باقي مسند المكثرين رقم: 10761 - 10871 - 10888 - 11028 - 11055 - 11386 - 1226 والشوكاني في نيل الأوطار (3/ 157) .
(2) - قال النووي: لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه.
(3) - أي: استووا في القدر المعتبر منها إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها على قولين وفي لفظ مسلم (فإن كانت القراءة واحدة) .
(4) - قال النووي وابن سيد الناس: قوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) : دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا. قال الشوكاني: وبه يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث لأن التفقه في أمور الصلاة لا يكون إلا من السنة وقد جعل القارئ مقدمًا على العالم بالسنة وفي قوله: فأعلمهم بالسنة: فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية ... الخ وهل المقصود أكثرهم قراءة للقرآن أم أحسنهم قراءة؟ والراجح الأول بدليل ما أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة أنه قال: انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه فكان فيما أوصانا (ليؤمكم أكثركم قرآنًا) فكنت أكثرهم قرآنًا فقدموني. وأخرجه أيضًا البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم، وقد حكم عليه بعضهم بالضعف.
(5) - قال النووي وابن رسلان: بفتح التاء وكسر الراء: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه. انتهى من (نيل الأوطار) (3/ 158) .
(6) - أخرجه الجماعة، إلا البخاري، مسلم (في باب من أحق بالإمامة ص236) وأبو داود في باب من أحق بالإمامة ص93) والنسائي في باب من أحق بالإمامة ص127) والترمذي في باب من أحق بالإمامة ص 32) وكذا ابن ماجة في باب من أحق بالإمامة ص70) والحاكم في المستدرك ص243) والدارقطني ص104) كالمستدرك بكلا طريقيه).