الصفحة 14 من 80

فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنًا). وقد أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث، ولم يذكر فيه: (أفقههم فقهًا) وهي لفظة عزيزة غريبة بهذا الإسناد الصحيح [1] وفي رواية لسعيد بن منصور بلفظ: (لا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه، إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه) .

ثالثًا: عن مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما). رواه الجماعة، ولأحمد ومسلم: (وكانا متقاربين في القراءة) ، ولأبي داود: (وكنا يومئذ متقاربين في العلم) . وفي رواية للبخاري: (قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة فلبثنا عنده نحوًا من عشرين ليلة وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا فقال: لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم) . الحديث. قوله (وليؤمكما أكبركما) : فيه متمسك لمن قال بوجوب الجماعة. وظاهره أن المراد: كبر السن. ومنهم من جوز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن والقدر وهو مقيد بالاستواء في القراءة والفقه، وقد زعم بعضهم أنه معارض لقوله: (يؤم القوم أقرؤهم) . ثم زعم بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين [2] غير قابلة للعموم بخلاف قوله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم) . (والتصيص على تقاربهم في القراءة والعلم يرد عليه) .

رابعًا: عن مالك بن الحويرث قال: سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من زار قومًا فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم) [3] فخلاصة ما دلت عليه هذه الأحاديث وغيرها أن الأحق بالإمامة: الأقرأ لكتاب الله، العالم فقه صلاته، ولقد كان الأقرأ مقدمًا في عصر الصحابة، لأنهم كانوا يتعلمون القراءة الصحيحة للآيات، ويتعلمون ما فيها من العلم والعمل، فجمعوا بين العلم والعمل، ولا يكتفون بالحفظ فقط كما هو الحال في زماننا هذا فكم من حافظ للقرآن أو بعضه، متقن لتلاوته، حسن الصوت به، ولكنه لا يعلم من فقه صلاته شيئًا [4] فإن استووا في القراءة فأعلمهم بالسنة، فإن استووا في السنة، فأقدمهم هجرة، فإن استووا أو لم يكن هناك هجرة، فالأكثر سنًا، لما روى مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا فلما ظن أنا قد اشتقنا أهلنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وترك أشياء أحفظها أو لا أحفظها: (وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) [5] وفي رواية للدارمي: عن مالك بن الحويرث قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي ونحن شببة فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقًا فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: ارجعوا إلى أهليكم فكونوا فيهم فمروهم وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم) [6] فلما استووا في القراءة والعلم والهجرة، أمرهم بتقديم الأكبر سنًا فإن استووا في ذلك فالأتقى، لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [7] فإن استووا في الكل، يقرع بينهم إن تشاحوا، وذلك لتساويهم في الاستحقاق فتعذر الجمع بين إمامين أو أكثر لذا يقرع بينهم كسائر الحقوق [8] جاء في كتاب (زاد المستقنع في اختصار المقنع) : (الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته، ثم الأفقه، ثم الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم هجرة، ثم الأتقى، ثم من قرع) . فالمراتب التي ذكرها المؤلف:

1 -الأقرأ.

2 -الأفقه.

(1) - وسنده عن يحيى بن بكير ثنا الليث عن جرير بن حازم عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن صمعج عن أبي مسعود فذكره. ومن أراد الزيادة في سند الحديث فعليه بـ (نصب الراية) (1/ 25) .

(2) - وأحب أن أنبه هنا على أن هناك بعض المقدمات والقواعد الفاسدة التي لم تكن معروفة في السلف أدخلها المتكلمون الفقهاء من بعدهم لتأييد أقوالهم والاحتجاج بها على الخصوم، ومن هذه القواعد: تقسيم إلى أصول وفروع، وتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، والقول بأن خبر الآحاد ظني الدلالة لا تثبت به العقائد، والقول بأن وقائع الأعيان لا عموم لها.

(3) - رواه الخمسة إلا ابن ماجة، وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود: (إلا بإذنه) .

(4) - انظر (حاشية الروض المريع شرح زاد المستنقع) (2/ 296) بتصرف يسير.

(5) - رواه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة (2/ 17) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/ 466) .

(6) - سبق تخريحه انظر مسند الدارمي كتاب الصلاة رقم 1225.

(7) - سورة الحجر آية: 13.

(8) - انظر: (حاشية الروض المربع(2/ 296) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت