الرحمن بن أبي عميرة: فمردودة بثبوت سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وكذلك فقد أثبت له الصحبة غير واحد من أهل العلم المعتبرين. قال الحافظ في (الإصابة) : (قال أبو حاتم وابن السكن: له صحبة، وذكره البخاري، وابن سعد، وابن البرقي، وابن حبان، وعبد الصمد بن سعيد في الصحابة، وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من الصحابة الذين نزلوا حمص) . وذكره الذهبي في (تجريد أسماء الصحابة) . (3742) . وقال: (الأصح أنه صحابي) . وأما قول ابن عبد البر الذي استدل به على عدم ثبوت صحبته، فقد انتقد على ابن عبد البر كما في (الإصابة) . وأما قوله: (ولولا ثبت لابن أبي عميرة صحبة، فهذا الحديث بالذات نص أهل الشأن على أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كما في(علل الحديث) . لان أبي حاتم. فدال على جهله من وجوه: الأول: أنه ضعّف مرسل الصحابي [1] ، وهذا خلاف ما عليه أهل العلم. قال ابن الصلاح في (مقدمته) (ص56) : (ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه، لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابي والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول) . وانظر أيضًا: (التقييد والإيضاح) . (ص80) . للعراقي ويخالف هذا المنهج الشيعة، لذا يتجرؤن على حرمة الصحابة، عليهم بهلة الله.
والثاني: أنه ذهب إلى قول أبي حاتم مع تصريح عبد الرحمن بن أبي عميرة بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحديث، ولا أظن أنه فعل ذلك إلا ليعل الحديث بأي طريقة كانت. الثالث: أنه جعل قول أبي حاتم قولًا لأهل الشأن، مع أنه لم يذكر أحدًا صرح بعدم سماع عبد الرحمن بن أبي عميرة لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتوهم ان ابن عبد البر ممن قال بذلك، فان عبد البر ضعف الإسناد، ونفى عن عبد الرحمن الصحبة أصلًا، فتنبه، ورواه أحمد من حديث العرباض بن سارية، ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي. ورواه أسد بن موسى وبشر السري وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح بإسناده، وزاد في رواية بشر بن السري (وأدخله الجنة) [2] ومنها أنه صلى الله عليه وسلم، دخل على زوجته أم حبيبة، ورأس معاوية في حجرها وهل تقبله -فقال لها أتحبيه؟ قالت: ومالي لا أحب أخي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فإن الله ورسوله يحبانه -وفي سنده مقال- ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوا أصحابي وأصهاري، فإن من حفظني فيهم كان معه من الله حافظ، ومن لم يحفظني فيهم تخل الله عنه ومن تخل الله عنه يوشك أن يأخذه) -رواه الحافظ أحمد بن منيع. وقال صلى الله عليه وسلم: (عزيمة من ربي وعهد عهده إلي أن لا أتزوج إلى أهل بيت ولا أزوج بنتًا من بناتي لأحد إلا كانوا رفقائي في الجنة) . رواه الحارث بن أبي أسامة، وفي رواية: (سألت ربي لا أتزوج إلى أحد من أمتي إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك) . ففضائله صلى الله عليه وسلم ثابتة في السنة عمومًا وخصوصًا -منها الصحيح ومنها الضعيف، كما سيأتي -فأما عمومه: فلما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . وأهل العلم مجمعون قاطبة -على أن معاوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أنه داخل في عموم هذا النص، فمن سبه أو طعن فيه آثم بلا ريب بل سب الصحابة -رضي الله عنهم- من الكبائر. وأما خصوصًا: فلحديثين أحدهما احتج به السقاف على ذم معاوية ولم يصب، والثاني ضعفه، تقليدًا لأشياخه الغماريين.
فأما الأول رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه: قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواريت خلف باب، فجاء فحطأني حطأة، وقال: (اذهب وادع لي معاوية) . قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال: (اذهب فادع لي معاوية) . قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: (لا أشبع الله بطنه) . قال الحافظ الذهبي: (لعل هذه منقبة معاوية. لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة) [3] وقال النووي في (شرح مسلم) [4] (قد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقًا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنه في الحقيقة يصير دعاء له) . قلت: وهذا الحديث أخرجه مسلم في باب [5] : (من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه، وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة) . (وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنًا في معاوية رضي الله عنه، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟"."
(1) - قال السيوطي: ومرسل الصحابي وصل في الأصح -كسامع في كفره ثم اتضح.
(2) - وروى ابن عدي وغيره عن ابن عباس، ورواه محمد بن سعد بسنده إلى مسلمة بن مخلد أحد فاتحي مصر وولاتها. قال محقق (العواصم) (214) : (ورواة هذا الدعاء النبوي لمعاوية من الصحابة أكثر من أن يحصلوا.(وانظر: البداية والنهاية 8/ 120/121. وانظر: ترجمة معاوية في حرف الميم من تاريخ دمشق لابن عساكر) ومن لم يصدق هذا الحديث فهو منكر لكل ما ثبت في السنة من شريعة الإسلام الخ.
(3) - كما في (تذكرة الحفاظ) (2/ 699) .
(4) - شرح مسلم (16/ 156) .
(5) - أي: الأحاديث التي تندرج تحت هذا الباب، وإلا فمسلم بن الحجاج لم يبوب صحيحه، وإنما سرد أحاديثه سردا.