وسلم، رفع رأسه إليه مرة أو مرتين، وهو يتوضأ، فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله وأعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني سألي الخلافة حتى وليت). فمعاوية لم يكن يطلب الملك كما قال عبد السلام ياسين في كتابه (الشورى والديمقراطية) . (ص241) : (ويتصادم جيشا علي ومعاوية طالب الملك في صِفين) . ولم يغير مجرى تاريخ الإسلام -فمن فعل فقد كفر- كما زعم الشيعي ياسين في (ص243) : (خرج معاوية بن أبي سفيان بالسيف والبطش والقوة، ونقض أعلى عرى الإسلام) . ثم ذكر حديث: (لتنقضن عرا الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضًا الحكم) . فقال: ( ... ثم نستعرض العملية النقضية بسيف معاوية، ومن تبع سنته السيئة، لتتجلى أمام أعيننا المحجة التي زاغ عنها الزائغون) . ما أرى (الزائغون) [1] عن المحجة إلا الروافض ومن دافع عنهم من أمثالك. ثم طفق يذكر من تاريخ الشيعة أباطيل وأكاذيب على خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين، فيقول:-فض الله فاه- (كان مع سيف معاوية لهج بالشريعة وسيادتها) . وقال في (ص246) من نفس المصدر متهمًا معاوية بقتل الحسن مسمومًا: (ولم يلبث أن سمّوه فمات رحمه الله) . ويجيب شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) . على ما قاله عبد السلام وغيره من الشيعة، من أن معاوية سم الحسن: (لم يثبت ذلك ببينة شرعية، ولا إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم) . قال: (وقد رأينا في زماننا من يقال عنه سم ومات مسموما من الأتراك وغيرهم. ويختلف الناس في ذلك حتى في نفس الموضع الذي مات فيه والقلعة التي مات فيها، فتجد كلا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر) . وبعد أن ذكر ابن تيمية أن الحسن مات بالمدينة، وأن معاوية كان بالشام، ذكر للخبر احتمالات -على فرض صحته- منها أن الحسن كان مطلاقًا لا يدوم مع امرأة ... الخ [2] وقال عبد السلام ياسين في نفس المصدر (ص246 - 247) : (ما صفت الساحة لمعاوية بن أبي سفيان حين أراد إرغام المسلمين على بيعة ابنه يزيد. ثم ذكر -فض الله فاه- كلامًا لا خطام له، من وضع الروافض الخبثاء، وينقل هذه الترهات من ابن الأثير الشيعي دون حياء ولا خجل. ثم طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية، بأسلوب خفي، أسلوب شيطاني، وكذا فعل مع الحافظ ابن العربي، حيث يقول: (فخطب معاوية الناس، بعد أن أمر رئيس حرسه قائلًا: (أقم على رأس كل رجل من هؤلاء(الأربعة المعارضين) . رجلين، ومع كل واحد منهما سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بالسيف)، السيوف منتضاة على الأربعة الرؤوس، ومعاوية يخطب الناس ويقول مهددًا مرعدًا: (إنه من أعذر فقد أنذر! كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل على نفسه!) ، نترك الإمام أحمد جبل السنة يرد على الشيعي ياسين قال الخلال في (السنة) ، (659) : (أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم، قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله، ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس) . وسنده صحيح، وروى الخلال (660) : (أخبرنا أبو بكر المرّوذي، قال: قلت لأبي عبد الله أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(خير الناس قرني الذي بعثت فيهم) . وسنده صحيح. كيف يأمر بقتل ابن عباس ثم هو يمدحه ويقول: (ما رأيت رجلًا أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب، لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب-يعني: ابن الزبير) [3] قال الذهبي: (حسبك بمن يؤمّره عمر، ثم عثمان -وهو ثغر- فيضبطه ويقوم به أتم قيام، ويرضى الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك، وإن كان غيره من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم، خيرًا منه بكثير، وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه، وله هنات وأمور، والله الموعد. وكان محببًا إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك) [4] ثم ذكر أثرًا عن الحسن البصري لا أساس له من الصحة ليطعن في يزيد وقبله في خال المؤمنين معاوية -وعلى من يشتم معاوية بهلة الله- فقال في (ص252) : (روى ابن الأثير مقالة الإمام، قال: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه(أي: وثوبه) على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكّيرًا خمّيرًا يلبس الحرير ويضرب الطنابير. وادعاؤه زيادًا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجَر) . وقتله حجرًا وأصحاب حجر، ويا ويلًا له من حجر وأصحاب حُجر!). قال جامع هذه الرسالة، أثر ابن عباس هذا (ذكره ابن الأثير الشيعي في كتابه(الكامل) (3/ 487) وهو مكذوب وموضوع من وضع الشيعة، فهم لا يتورعون عن الكذب.
يزيد عن معاوية وما نسب إليه من الظلم
لا يكابر أحد في أن الخليفة يزيد بن معاوية كان إمام المسلمين وكل إمام له مناصرون وأعداء، ولذا فيجب أن يعاد النظر في كل ما قيل فيه، وتمحيصه تمحيصًا علميًا وتاريخيًا بعيدًا عن الأهواء والتقليد فهو رضي الله عنه، مظلوم بما شحنوا به كتب الأخبار والتاريخ من الكذب عليه فقد سر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيا حروب معاوية البحرية وبحملة ابنه يزيد على القسطنطينية -كما تجد في هذه الرسالة- وقد شهد ليزيد بالفضل والصلاح، والشهامة والاستقامة، وملازمة السنة وسؤال أهل العلم، والمواظبة عن الصلاة محمد بن علي بن أبي طالب بل ودافع عنه عند ما كان عبد الله بن مطيع داعية ابن الزبير يحرض الناس
(1) - بالرفع على الحكاية وبالنصب على الإعراب.
(2) - انظر منهاج السنة (2/ 225) .
(3) - رواه عبد الرزاق في (المصنف) (20985) : عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت ابن عباس يقول: فذكره: وسنده صحيح.
(4) - انظر: (السير) للذهبي (3/ 132) .