وكحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون) . وفي رواية: (يهتدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [1] .
في هذا الحديث: الإخبار عن المبتدعة الذين سيكونون في الأمة، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم، من جاهدهم، وشهد له بالإيمان، وأخبر أن من لم يجاهدهم، فليس عنده من الإيمان حبة خردل، ولا يخفى أن أعظم جهاد يجاهد به المؤمن المبتدعة -هو ترك الصلاة وراءهم، لأنهم يتأثرون بذلك ويتألمون، وبحديث أبي أمامة: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق، والمرأة التي باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل أم قومًا وهم له كارهون) [2] ومعنى هذا الحديث: أن الإمام المخالف للسنة صلاته غير مقبولة، لأن الإمام الذي تقبل صلاته لكراهة الناس له، هو الذي يكره الناس إمامته، لأجل الظلم ومخالفة السنة. أما الإمام الذي يكرهه الناس للدنيا، أو لاتباعه السنة، فالإثم على من يكرهه لا على الإمام، هكذا قال الخطابي والنووي: ونقل ذلك عنهم شيخنا الزمزمي، في كتابه النافع في (إمامة المبتدع والمتجاهر بالفسق وبيان حكمها) .
تنبيه: ولقد ورد في حكم صلاة المسبل حديث اختلف في صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبلًا إزاره، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ. فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ؟ ثم سكت عنه. قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره) [3] قال الإمام محمد بن إسماعيل الأمير الشهير بالصنعاني، في تخريج هذا الحديث: (قلت: وقال الحافظ المنذري في(سنن أبي داود) : في سنده أبو جعفر رجل من أهل المدينة، لا يعرف اسمه، انتهى [4] . قلت: قال ابن رسلان في (شرح السنن) : اسم أبي جعفر هذا كثير بن جهمان السلمي، أو راشد بن كيسان، انتهى. وفي (التقريب) ما لفظه: كثير بن جهمان السلمي أبو جعفر (مقبول) [5] وفيه: راشد بن كيسان العبسي بالموحدة، أبو فزارة الكوفي: ثقة من الخامسة [6] انتهى. وبه يعرف عدم صحة كلام الحافظ المنذري، في أن أبا جعفر مجهول، بل قد تردد بين ثقتين، ولكن الذي أخرج له مسلم هو راشد بن كيسان، ولم يخرّج مسلم لكثير بن جهمان، إنما أخرج له أصحاب السنن الأربع، فقول النووي: (إن الحديث على شرط مسلم) . دال على أنه راشد بن كيسان، لكن كنيته أبو فزارة لا أبو جعفر، فالمتعين أنه كثير بن جهمان، ولا وجه لقول ابن رسلان: (أو راشد بن
(1) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص (1/ 69/70) (1/ 6نووي) وأحمد (1/ 458/461) وانظر: (صحيح الجامع) (2/ 1008) و (مشكاة المصابيح) (1/ 55/56 رقم 157/ 1 كتاب الإيمان 5 باب الاعتصام بالكتاب والسنة، وقال: رواه مسلم) وأبو عوانة في مسنده (1/ 35 وما بعدها) .
(2) - رواه الترمذي في (جامعه) (360) وقال: (حديث حسن غريب) والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 128) من حديث أبي أمامة، وصححه المحدث أحمد شاكر في تعليقه على (جامع) الترمذي (2/ 193) وابن ماجه (961) ولا التفات لما قاله العثيمين.
(3) - أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة: باب الإسبال في الصلاة: (1/ 172 رقم 638) وكتاب اللباس: باب ما جاء في إسبال الإزار: (4/ 57 رقم 4086) والنسائي في الكبرى كتاب الزينة كما في (تحفة الأشراف) (11/ 188) وقال النووي في رياض الصالحين (رقم 795) و (المجموع) (3/ 178) و (4/ 457) : (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في (الكبائر) (الكبيرة 55 ص216) قلت: قال الألباني: (كذا قال، وفيه نظر ظاهر بينته في(تخريج المشكاة) (761) و (ضعيف أبي داود) (96) رجعت (مشكاة المصابيح) (1/ 234/238) فوجدت أن الألباني قال: (وإسناده ضعيف فيه أبو جعفر، وعنه يحيى بن أبي كثير وهو الأنصاري المدني المؤذن، وهو مجهول كما قال ابن القطان، وفي(التقريب) : (أنه لين الحديث. قلت فمن صحح إسناد الحديث فقد وهم) قلت: قال المنذري في (الترغيب) : (رواه أبو داود وفي سنده أبو جعفر المدني إن كان محمد بن الحسن فروايته عن أبي هريرة مرسلة وإن كان غيره فلا يعرف) قلت: أبو جعفر هذا اسمه كثير بن جهمان السلمي على ما قاله ابن رسلان.
(4) - انظر: كلامه في (مختصر السنن) (1/ 324) .
(5) - انظر: (تقريب التهذيب) (رقم 5607) .
(6) - انظر: (تقريب التهذيب) (رقم 1856) .