الصفحة 61 من 80

كيما يحتاط لنفسه فذاك، ويجتنبه أحب إلي، ولأنهم يقولون شيء لا شيء، يقولون الله لا شيء). وقال: (وقال سليمان بن داود الهاشمي، وسهل بن مزاحم: من صلى خلف من يقول: القرآن مخلوق أعاد صلاته) . وقال: (وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال: لم يزل في الناس إذا كان منهم مرض أو عدل فصل خلفه. قلت: فالجهمية؟ قال: لا، هذه من المقاتل، هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة) [1] قلت: (وللإمام أحمد مذهبان في المسألة: مذهب متقدم، ومذهب متأخر، فالمذهب المتقدم كان لا يكفر من قال: بخلق القرآن بسبب جهلهم وعذرهم، حيث سئل مرة أتكفر القائلين بخلق القرآن قال: لم أكن أكفرهم، فلما قرأت شيئًا من كتاب الله -وذكر بعض الآيات- فقال: ولكني الآن أكفرهم) [2] قال ابن تيمية: (إن الإمام أحمد كان يكفر القائل بخلق القرآن، ثم كان يصلي وراء بعضهم) . وهذا الكلام لا يصح على إطلاقه، لأنه قد تبين أن الإمام أحمد قد اعتذر من الصلاة وراء هؤلاء القوم، سئل عن القائل بأن القرآن مخلوق، فقال: هو كافر، قيل له: يقول به الكرابيسي فقال: هو كافر، فقالوا له: فلات يقول به، قال: هو كافر، يكفر عينهم، قالوا: نصلي وراءهم؟ قال: لقد كنت متساهلًا. لا تصلوا وراءهم، قالوا: نصلي وراء الرافضة، قال: لا، قالوا فالمرجئة، قال: هم خبثاء). وقد وجدت شيئًا من هذا القول: عند ابن تيمية نفسه في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) . حيث قال: (لقد تبين للإمام أحمد أن النافين لصفات الله مآل أمرهم إلى التعطيل) . لأن الأمر صار يتضح أكثر في ذهن الإمام أحمد [3] حتى صار يرى أن الحجة قد بلغت الناس. وقد سئل أحمد عمن قال: بأن القرآن مخلوق، هل يكفر، قال: نعم، قالوا: أنقتله؟ قال: بعد الاستتابة [4] .

مذهب الشافعي:

مذهب الشافعي مخالف لمذهب أبي حنيفة، ولمذهب مالك، ولمذهب أحمد، لذا قال النووي: (قال أصحابنا الصلاة وراء الفساق صحيحة ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، فإن كفر ببدعته لا تصح الصلاة وراء الكفار نص الشافعي في المختصر على كراهية الصلاة خلف الفاسق والمبتدع فإن فعلها صحت) . وقال ابن تيمية: (تنازع العلماء في الإمام إذا كان فاسقًا أو مبتدعًا وأمكن أن يصلى خلف عدل، فقيل: تصح الصلاة خلفه وإن كان فاسقًا وهذا مذهب الشافعي) . قال ابن قدامة: (وقال الحسن، والشافعي: الصلاة خلف أهل البدع جائزة، بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم(صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) . ولأنه رجل صلاته صحيحة، فصح الإتمام به كغيره، قال نافع كان ابن عمر: يصلي خلف الحسنية [5] والخوارج، زمن ابن الزبير، وهم يقتتلون فقيل له: أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضًا؟ فقال: من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا، رواه سعيد) [6] قلت: استدلاله للصلاة خلف المبتدع بحديث (صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) . مع أنه ضعيف جدًا كما سيأتي -قريبًا في هذه الرسالة وبفعل ابن عمر استدلال غير مقبول، ولقد سبق أن قلنا بأن أثر ابن عمر: محمول على الضرورة، لا على الاختيار، وبينا أن كلام الصحابي ليس حجة، ولا سيما إذا خالف السنة، أو خالفه صحابي آخر- كما سبق-.

أما السنة فحديث أبي سهلة السائب بن خلاد: (أن رجلًا أم قومًا فبصق في القبلة ورسول الله ينظر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين فرغ:(لا يصلي لكم) فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (نعم) قال الراوي: أنه قال له: (إنك آذيت الله ورسوله) [7] ووجه الدلالة منه:

1 -عزل الرسول صلى الله عليه وسلم له ومنعه من الإمامة.

2 -منع الصحابة له من إمامتهم مرة أخرى، ولهذا قالوا له: لا تصل لنا).

(1) - (خلق أفعال العباد) (ص13/ رقم 24 - 37 ص21/ رقم 61) .

(2) - كما في طبقات الحنابلة، المجلد الثاني كما قال الشيخ عمر بن محمود أبو عمر في محاضرة ألقاها في الموضوع.

(3) - صار يعرف ألاعيبهم.

(4) - والاستتابة: لها عدة معان في لغة الفقهاء، معناها هنا: هي إقامة الحجة، فإذا لم يتب قتل كفرا لا حدا لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يقبر في مقبرة المسلمين، ولا يرث، ولا يورث، ولا، ولا، ولا.

(5) - صوابه: الخشبية، كما سبق.

(6) - انظر: (المغني والشرح الكبير) (2/ 21) .

(7) - رواه أبو داود في سننه (1/ 324) كتاب الصلاة باب (22) سكت عنه هو والمنذري، وحسنه الألباني في (صحيح سنن أبي داود) (1/ 95/ كتاب الصلاة باب 22/ رقم 456) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت