الصفحة 55 من 80

وقال الزهري: (لا نرى الصلاة أن نصلي خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد منها) [1] وعن معمر قال سألت الزهري: (هل يؤم ولد الزنا؟ قال نعم، وما شأنه، قلت: فالمخنث؟ قالا، ولا كرامة، ولا يؤتم به) [2] لكل شيء قلب، وقلب القرى والمداشر مساجدها، فإذا صلح القلب صلح الجسد، وإذا فسد فسد الجسد، وكذلك المسجد إذا فسد فسد الموضع الذي هو فيه، وصلاح المساجد بصلاح أئمتها، وفسادها بفساد أئمتها، كما أن كل محل يفسد إذا جعل فيه من لا يليق به، ألا ترى إذا أقيم الخراز في حانوت الحداد، هل يصلح بها أو يفسدها بتعطيل المنافع؟ وكذلك العكس، إلى غير ذلك، فكذلك هو الملازم في المساجد وهو لا يحسن القيام بمآربها فهو مفسدها ومعطل لمنافعها، فأئمتنا جعلوا المسجد دكانًا يرتزقون منه، والسلف الصالح ما كانوا يصلون خلف من يأخذ على الصلاة أجرًا، ومن يشارط، انظر: (المدخل) . لابن الحاج.

فقد ذكر ابن ناجي: أن الشيخ أبا عبد الله الدكالي ورد على تونس فلم يصل خلف ابن عرفة، ولا الجمعة، ولا خلف غيره، لأخذهم على الصلاة، ورأى وجود الخلاف شبهة، وكان كل بلد يرد عليها للمشرق لا يصلي إلا خلف من لا يأخذ شيئًا إن وجده، وذكر البرزلي: أنه لما تخلف عن الصلاة خلف ابن عرفة أنكر ذلك ابن عرفة وعرّض به في أبيات). قلت: ورماه طلابه بالزندقة وصار يبحث ابن عرفة على امتناعه من الصلاة مع الناس لماذا؟ فقيل له: إنما امتنع لأخذ الأئمة الأجرة على الصلاة، فزاد بذلك إغلاظًا في القول والتشنيع، وتبعته العامة والخاصة في ذلك فرحل فارًا بنفسه، فكتب ابن عرفة كتابًا لأهل مصر إلى أن قال لهم فيه يخبرهم بشأنه:

يا أهل مصر ومن في الحكم شاركهم ... تنبهوا لقبيح معضل نزلا ...

لزوم فسقكم أو فسق من زعمت ... أقواله إنه بالحق قد عملا ...

في تركه الجمع والجمعات خلفكم ... وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا ...

وإن كان شأنكم التقوى فغيركم ... قد باء بالفسق حتى عند ما عدلا ...

وإن يكن عكسه فالأمر منعكس ... قولوا بحق فبان الحق معتدلا

فاجتمع العلماء والفقهاء من أهل مصر وما والاها وامتحنوا القول غاية الامتحان، ثم أجمع رأيهم واتفقت كلمتهم بأن أجابوه على ما كتب لهم في شأنه:

ما كان من شيم الأبرار أن يسمعوا ... بالفسق شيخًا على الخيرات قد جبلا ...

لا، لا، ولكن إذا ما أبصروا خللا ... كسوه من حسن تأويلاتهم حللا ...

أليس قد قال: في المنهج صاحبه ... يسوغ ذاك لمن قد يخشى زللا

(1) - رواه (البخاري 1/ 171 كتاب الأذان باب: 56) .

(2) - رواه عبد الرزاق في (مصنفه) (2/ 397) باب هل يؤم ولد الزنا رقم (3840) ط: دار المكتب الإسلامي، قال الحافظ في (الفتح) (2/ 190) كتاب الأذان باب (56) ط: دار المعرفة: (وهو محمول على حالة الاختيار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت