الصفحة 52 من 80

يصلي وراء الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار [1] قال النووي في شرح حديث أبي ذر المتقدم: (والمراد تأخير الصلاة عن وقتها المختار، لا عن جميع الوقت، فإن المنقول عن الأمراء إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع) . قال الشوكاني: (فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين [2] -إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد عن جميع وقتها فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع) . قلت: كلا، فقد ورد أن الحجاج: أخر صلاة الجمعة حتى خرج وقتها [3] غير أن هذا نادر، (والنادر لا حكم له) .

أقول: فقد دل حديث أبي ذر: -المتقدم- على أن الصلاة وراء الأئمة الذين يصلون الصلاة في غير وقتها المختار لغير ضرورة باطلة، لا تصح، لأنها لو كانت صحيحة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: أبا ذر أن يصلي وحده، ويترك الصلاة مع الجماعة الواجبة على كل مسلم.

الحالة الثالثة: وهي المقصودة من كتابة هذه الرسالة:

أن يوجد مندوحة (أي: أئمة عدول في مساجد أخرى) . ولا نخشى -من ترك الصلاة وراءه- ضررًا ولا بلاء ولا عقوبة فتجب الصلاة وراء العدل: فإن خالف فقد عصى الله ورسوله، وعليه الإعادة، ولا يلتفت إلى مما يستدل به الجهال على صحة إمامه المخالف للسنة والفاسق مثل حديث: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم) [4] فهذا لا دليل فيه على ما يدّعون، فقد سبق الجواب عنه آنفًا في الحالة الثانية، واستدلالهم أيضا: بصلاة ابن عمر وراء الحجاج باطل، لا يصدر إلا من الجاهل بالأصول والسنة، لأن ابن عمر إن صلى وراء الحجاج فإنه كان مضطرًا خائفًا من الحجاج الظالم الذي لا يخفى على أحد ظلمه وتجبره وطغيانه وسفكه للدماء. ومن المعلوم في التاريخ أنه هو الذي قتل ابن عمر لأجل أنه كان يتقدم عليه في الحج، أو هبْ أنه لم يكن مضطرًا ولا خائفًا، فعمل الصحابي لا يكون حجة إذا خالفه صحابي آخر، كما هو مقرر في علم الأصول، وابن عمر قد خالفه واثلة بن الأسقع، وذلك (أنه سئل عن الصلاة وراء المبتدع فأفتى بمنعها) . مع ملاحظة أن واثلة أفتى وهو مختار غير مضطر) فالضرورة تقدر بقدرها). وقد كان الإمام أحمد يجيز الصلاة وراء الأمراء ولا يجيزها وراء المبتدعة، وذلك لأجل الضرورة، وهي: الخوف منه، وفي (الموطأ) أن عمر بن عبد العزيز منع من لا يُعرف أبوه من الإمامة. فما بالكم لو سمع عمر بن عبد العزيز، أئمتنا وهم ينشدون قصائد تقطر كفرا مثل قولهم:

واظب على صلاة الفاتح ... بأدب يؤتيك خير فاتح ...

بالفتح والأنوار والأسرار ... في أسرع من لمحة الأبصار ...

فإنها من أعظم الوسائل ... إلى النبي قله لكل سائل ...

فيها كفاية عن الأذكار ... بأسرها في الليل والنهار ...

وغنية عن سائر الأوراد ... في الدين والدنيا وفي المعاد ...

لذاك قال شيخنا التجاني ... نصيحة لسائر الإخوان

(1) - قال شيخنا الزمزمي: (فالأمراء المذكورون في الحديث هم أمراء الدولة الأموية: فإنهم كانوا يفعلون ذلك -كما يدل عليه الحديث الأول من الموطأ الذي فيه:(أن عروة بن الزبير أنكر على عمر بن عبد العزيز تأخير صلاة العصر) وكان عمر أميرا على المدينة المنورة -وليس المراد من الحديث: أنهم يصلون الصلاة بعد خروج وقتها كلها، لأنهم لو فعلوا لأنكر عليهم الصحابة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك لما سألوه عن قتل الأمراء الظالمين، فقال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) يعني: لا تقاتلوهم ما داموا يصلون الصلاة في وقتها أما إذا لم يصلوها في وقتها فقاتلوهم.

(2) - عفوًا يا إمام الشوكاني: فإن المتأخرين لا يصلون (إلا) .

(3) - إلا إن اعتبرنا أن فعله هذا نادر لا يجوز حمل الأخبار عليه كما هو معلوم عند العلماء لأن النادر لا حكم له. فنعم، وإلا، فلا.

(4) - رواه البخاري في كتاب الأذان (653) وأحمد في باقي مسند المكثرين (8309 و10509) وقد سبق تخريجه آنفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت