الصفحة 51 من 80

بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا، واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافًا بها أو جحودًا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا، ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بِرّ له، حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه، ألا، لا تؤمَنَّ امرأة رجلا، ولا يؤمّ أعرابي مهاجرًا، ولا يؤمّ فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه) [1] .

13 -وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه) [2] هذا على وجه الإيجاز والإجمال، لأن ذكرها على وجه التفصيل، يحتاج إلى كتاب كامل، وما قل ودل خير مما طال وأمل، فلولا خشية الإطالة والملل، لنقلت في هذه الرسالة ما يزيد على (200) أثر، أو أكثر. وما لا يمكن كله لا يترك بعضه أو جله. فالآثار دالة على أن الصلاة خلف الجائرين جائزة ضرورة، ليس إلا، ولا يقاس عليهم المبتدعة الضعفاء، فمن ألحق بهم أئمتنا فقد أخطأ الطريق.

قال الشوكاني: (قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين، لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى) [3] قلت: فالصلاة خلف هذا الصنف من الأئمة واجبة، وترك الجمع والجمعات والأعياد خلفهم من علامات أهل البدع والضلال، هذا في حالة ما إذا كانوا يؤدون الصلاة في وقتها، أما إذا كانوا يؤخرونها عن وقتها حتى يدخل وقت الثانية، أو يؤخرون الصلاة عن الوقت المختار، لا عن أصل الوقت، كما كان يفعل بعض الأمويين -فإننا نصلي الصلاة لوقتها في بيوتنا، ثم نصلي مع الأمراء الصلاة في غير وقتها [4] وتكون لنا نافلة، وذلك محافظة على وحدة المسلمين، وخشية الضرر، وما لا، فلا، وقد دلت السنة والأحاديث على هذا.

كحديث: شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) [5] .

وكحديث: (عبادة بن الصامت قال: كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس سيجيء أمراء يشغلهم أشياء، حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فقال رجل: يا رسول الله ثم نصلي معهم، قال:(نعم) [6] .

وكحديث: عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) [7] .

وكحديث أبي ذر أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء؟ يميتون الصلاة أو قال: يؤخرون الصلاة قلت: يا رسول الله فما تأمرني، قال:(صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلّها فإنها لك نافلة) [8] فالنبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أبا ذر عن أن

(1) - رواه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة (رقم1081) والبيهقي في (السنن الكبرى) (3/ 171) .

(2) - سبق تخريجه انظر (نيل الأوطار) (3/ 199) ضعفه الصنعاني كما في (سبل السلام) (2/ 62 بتحقيق عطا) .

(3) - انظر: (نيل الأوطار) (3/ 163) تحت عنوان: (باب إمامة الفاسق) دار الكتب العلمية.

(4) - أما في عصرنا فلا يصلون (إلا) ولا يدعون إليها (إلا) .

(5) - رواه أحمد في مسند الشاميين (16500) .

(6) - رواه أبو داود في كتاب الصلاة (369) وابن ماجة في كتاب الصلاة والسنة فيها (1247) وأحمد في باقي مسند الأنصار (21629/ 21625/ 21722) .

(7) - رواه مسلم (1/ 378/ كتاب/ 5/ باب/5/ رقم 26) .

(8) - رواه مسلم وأحمد وغيرهما من أصحاب السنن وقد سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت