الصفحة 44 من 80

المسألة الرابعة: في حكم إمامة المبتدع [1] والفاسق [2] :

فالمقصود بالمبتدع هنا: أصحاب البدع غير المكفرة وكذا الفساق، وأحوالهم لا تخرج عن أربع حالات على ما يأتي بيانه:

الحالة الأولى: ألا يوجد مندوحة [3] من الصلاة وراء هذا الإمام الفاسق أو المبتدع، فالصلاة وراءه في هذه الحالة جائزة إن شاء الله تعالى وترك الجمع والجماعة خلفه من علامات أهل البدع والضلال [4] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد وكالعيدين وصلوات الحج خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر، باتفاق أهل السنة) [5] وقال في موضع آخر: (يصلى الجمعة والعيد خلف كل إمام برًا كان أو فاجرًا وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد فإنها تصلى خلفه الجماعات، فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان الإمام فاسقًا، هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل [6] والشافعي، وغيرهما، بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الفاجر فهو مبتدع عند أحمد وغيره من أئمة السنة) [7] وقال أيضًا: (وإنما ندع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردًا لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقًا) . وقبله قال: (ومن أنكر مذهب الروافض وهو لا يصلي الجمعة والجماعة بل يكفر المسلمين فقد وقع في مثل مذهب الروافض فإن من أعظم ما أنكره أهل السنة عليهم تركهم الجمعة والجماعة وتكفير الجمهور) [8] وراجع كلام العلماء في هذا عند قول الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم) [9] واستدلوا بما علقه البخاري ووصله غيره كما سيأتي: (صل وعليه بدعته) [10] وقد رأينا إزالة لهذه الشبهة أن تنقل كلام شيخ الإسلام بكامله لتعم الفائدة: (فقد سئل رحمه الله عن ذلك فأجاب بقوله: ( ... وأما الصلاة خلف من يكفّر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس صلاة الجمعة [11] خلفه، ومن قال: إنه يكفر أمر بالإعادة [12] لأنها صلاة خلف كافر، لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء، والناس مضطربون في هذه المسألة

(1) - إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن (مجموع الفتاوى) (23/ 355) .

(2) - إن الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق (مجموع الفتاوى) (23/ 358) و (الطحاوية) (421) .

(3) - الندح: الكثرة. والمندوحة: السعة والفسحة قاله ابن منظور في (لسان العرب) (ندح: 1/ 613) كأن المعنى هنا كثرة المساجد للصلاة.

(4) - هذا في حالة ما إذا كان الإمام في القرية واحدا والمسجد واحدا وبدعته خفيفة كمثل ما إذا كان يقرأ الحزب أو يدعو خلف الصلاة، أما إذا كان يستغيث بغير الله كما هو حال كثير من أئمتنا في العصر فلا، بل باطلة باطلة.

(5) - (مجموع افتاوى) (23/ 355) .

(6) - كما جاء في كتابه (أصول السنة ص43 - 44 - 45) (فقرة: 17 - 18 - 19) (وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم 18 - ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه برا كان أو فاجرا 19 - وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة -من كانوا- برهم وفاجرهم، فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين، وتدين بأنها تامة لا يكن في صدرك من ذلك شيء) انظر: التعليق على الطحاوية: (46 وشرحها 373) للشيخ الألباني.

(7) - (مجموع الفتاوى) (23/ 353) .

(8) - (مجموع الفتاوى) (23/ 255) .

(9) - (شرح العقيدة الطحاوية) (373) قلت: أخذ الطحاوي كلامه من حديث ضعيف جدا وسيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.

(10) - لكن إن أتى ببدعته تكفره بطلت صلاته وصلاة من خلفه، قولًا واحدًا.

(11) - انظر: (قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة) (ص48 - 49) .

(12) - قال عياض: (وسئل الداودي عن المسألة، فقال: خطيبهم الذي يخطب لهم ويدعو لهم يوم الجمعة كافر يقتل، ولا يستتاب، وتحرم عليه زوجته، ولا يرث ولا يورث، وماله فيء للمسلمين، وتعتق أمهات أولاده، ويكون مديروه للمسلمين، يعتق أثلاثهم بموته، لأنه لم يبق له مال، ويؤدي مكاتبوه للمسلمين، ويعتقون بالأداء، ويرقون بالعجز، وأحكامه كلها أحكام الكفر، فإن تاب قبل أن يعزل، إظهارًا للندم، ولم يكن أخذ دعوة القوم قبلت توبته، وإن كان بعد العزل أو بشيء منعه لم تقبل، ومن صلى وراءه خوفًا أعاد الظهر أربعا، ثم لا يقيم إذا أمكنه الخروج، ولا عذر له بكثرة عيال ولا غيره) يستفاد من هذا السؤال عدم الصلاة وراء خطباء الطواغيت والداخلين في دينهم ونظمهم، مثل البرلمانيين المشرعين مع الله، وقد فصلت القول في هذا الموضوع في كتابي (القول السديد في بيان أن دخول البرلمان مناف للتوحيد) (ص77/ 78) تحت عنوان (هل تجوز الصلاة وراء من يدعو إلى هؤلاء؟ ولم؟) و (وهل مسجد الضرار مثل مجلس النواب وكيف؟) قال الداودي: (ومن صلى وراءه خوفا -أي صلاة الجمعة- أعاد الظهر أربعًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت