إسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبخترن في المساجد) [1] فقد دلت الأحاديث التي أوردناها على أن المعصية التي يلعن فاعلها مانعة من قبول العمل، موجبة لرده، فمن صلى وهو متلبس بمعصية يلعن عليها كانت صلاته مردودة (باطلة) لأن اللعنة: طرد للملعون من باب الله. وكيف يقبل من المطرود هدية أو صلة؟ ..
وحالق اللحية ملعون بنص الحديث -المتقدم- فهو مطرود لا يستحسن قبول هديته شرعًا وطبعًا. وهذا مذهب الظاهرية، قال ابن حزم في (المحلى) : (ولا يحل لامرأة أن تصلي وهي واصلة شعرها بشعر إنسان. وكذلك الرجل) .
الثاني: أنها صحيحة. لأن النهي عن حلق اللحية لا يرجع لمعنى في نفس الصلاة: بل لأمر خارج عنها وقد تقرر في الأصول: أن النهي لا يقتضي فساد العبادة، إلا إذا كان يرجع إلى معنى فيها، أما إذا كان يرجع إلى معنى خارج عنها: كلبس الذهب والحرير وحلق اللحية ونحو ذلك .. فإن العبادة تكون صحيحة، وإن كان فاعلها عاصيًا، وهذا مبني على أن (الصحة) تغاير (القبول) ولا ترادفه، كما قال في (المختصر) : (وعصى وصحت) .
والقول الأول: مبني على أن الصحة والقبول مترادفان، والأحاديث يشهد ظاهرها للمذهب الأول، فإنه -صلى الله عليه وسلم- جعل جملة من العبادات (غير مقبولة) بسبب تلبس أصحابها بالمعاصي التي لا صلة لها بتلك العبادات، منها: ما تضمنته الأحاديث التي أوردناها فيما تقدم.
ومنها: ما رواه مسلم (عن صفيّة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى عرافًا فصدقه بما يقول(لم يقبل) له صلاة أربعين يوما) [2] وفي رواية: (لم تقبل) له صلاة أربعين صباحًا. ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه(ما يتقبل) منه عمل أربعين ليلًا) [3] ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله تعالى صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) [4] والخلوق: نوع من الطيب أصفر اللون. فقد أفادت هذه الأحاديث أن المتلبس بالمعصية صلاته غير مقبولة، وإن كانت معصية لا صلة لها بالصلاة، ولا النهي عنها يرجع إلى معنى في الصلاة.
وقول أهل المذهب الثاني: أن المنفي في هذه الأحاديث هو (القبول) والصحة غير المقبول إنما هو اصطلاح فقهي حادث، لم يكن معروفًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم -والمعروف في وقته صلى الله عليه وسلم- هو التعبير (بالقبول) بدل (الصحة) التي يعبر بها الفقهاء في اصطلاحهم الحادث.
(1) - رواه ابن ماجة في سننه كتاب الفتن (رقم 3991) قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك على عروة بن الزبير عن عائشة قالت ... أبو بكر ابن أبي شيبة صدوق. عند أحمد وابن معين، ووثقه أبو حاتم الرازي، وابن خراش، وزاد العجلي: ثقة حافظ للحديث وزاد أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه. وعلي ابن محمد: وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وعبيد الله بن موسى: وثقه ابن معين. والعجلي، وابن عدي، وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال محمد بن سعد: ثقة صدوق يتشبع. وموسى بن عبيدة: ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، قال أحمد: ما يحل وما ينبغي الراوية عنه، ومرة قال: ليس بالكذوب ولكنه روى عن ابن دينار، كذا قال ابن معين. وقال علي بن المديني: ضعيف يحدث بأحاديث منكرة، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: ليس بقوي الحديث. وداود بن مدرك. قال فيه الذهبي: مجهول. وعروة بن الزبير: قال فيه ابن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة. وقال الزهري: وكان بحرًا لا يكدره الدلاء، ووثقه ابن حبان والعجلي. فالحديث -إن شاء الله- حسن.
(2) - رواه مسلم في صحيحه كتاب السلام، رقم (4137) وأحمد في مسند المدنيين رقم (106041) وفي باقي مسند الأنصار: رقم (22138) . ولفظ مسلم: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) .
(3) - رواه الطبراني من حديث ابن عباس.
(4) - رواه أبو داود في سننه كتاب الترجل رقم (3646) وأحمد في مسند الكوفيين رقم (18788) .