أ- طائفة كفرت المسلم مستور الحال لسكوته عن الحاكم الكافر، باعتبار أن السكوت دليل رضا، وهؤلاء لهم سلف من بعض فرق الخوارج -وهم العوفية والبيهية- الذين قالوا إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد [1] وهذا قول فاسد ... (لا ينسب إلى ساكت قول) . ويؤكذ هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [2] فقد دل هذا الحديث على أن الساكت بلسانه قد يكون منكرًا بقلبه، وهو بذلك ما زال مؤمنًا، ومن هذا الباب أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر سَلِم، ومن كره فقد بَرئ، ولكن من رضي وتابع) قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) [3] قال النووي في شرحه: (فأما رواية من روى:(فمن كره فقد بريء) . فظاهرة، ومعناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ) [4] .
وما دام حال الساكت قد دخله الاحتمال فلا يجوز تكفيره بل يحمل حاله على الاحتمال الحسن ما دام مسلمًا مستور الحال لأنه لا يجوز التكفير بأمور محتملة الدلالة، ومنها السكوت المشار إليه هنا.
ب- والطائفة الثانية التي أخطأت في هذا المقام: هي الطائفة التي توقفت في إثبات حكم الإسلام للمسلم مستور الحال بهذه البلاد واشترطت وجوب تبين حاله واختبار اعتقاده لأجل الحكم بإسلامه، وهذا يوافق قول طائفة من الخوارج -وهم الأخنسية- في التوقف والتبين [5] وهذا التوقف في شأن مستور الحال بدعة، والدليل على أنه بدعة أن النصوص الدالة على إثبات حكم الإسلام لمن أظهر علامات الإسلام ورد معظمها في شأن أناس في دار الحرب أو أثناء الحرب، فدل هذا على أن وجود من أظهر الإسلام في دار الحرب بين الكفار لا يوجب التوقف في إثبات حكم الإسلام له، ولو مات على حاله هذا لعومل معاملة المسلمين، لا خلاف بين العلماء في هذا، وكما لم يختلف العلماء في أن المسلم معصوم الدم والمال والذرية بإسلامه سواء كان في دار الإسلام أو دار الكفر [6] . ومن هذه النصوص المشار إليها حديث أسامة بن زيد (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة فصبّحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكفّ الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت: كان متعوّذًا فما زال يكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) [7] . وحديث ابن عمر في قتل خالد بن الوليد لأسارى بني جذيمة بعد ما قالوا: صبأنا صبأنا -وتعني: عندهم أسلمنا، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وحديثه بالبخاري، ونحوها من النصوص، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال(لا إله إلا الله) . لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ليشترط على من جاءه يريد الإسلام، ثم إنه يلزم الصلاة والزكاة) [8] .
والذين قالوا بالتوقف والتبين لهم بعض الشبهات:
(1) - انظر: (مقالات الإسلاميين) (1/ 192 - 194) لأبي الحسن الأشعري.
(2) - رواه مسلم في كتاب الإيمان رقم 70 وأحمد في كتاب باقي مسند المكثرين رقم (10651 - 10723 - 11724 - 11034 - 11068 - 11090) والترمذي في جامعه كتاب الفتن رقم 2098 وأبو داود في كتاب الصلاة رقم 9631 وكتاب الملاحم رقم 3777 والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه رقم 4922 - 4923 - وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها رقم 1265 -وكتاب الفتن رقم 4003.
(3) - رواه مسلم في الإمارة رقم 3445 - 3446 والترمذي في جامعه كتاب الفتن 2191 وأبو داود في كتاب السنة رقم 4133 وأحمد في كتاب باقي مسند الأنصار رقم 25319 - 25365 - 25503.
(4) - انظر: (صحيح مسلم بشرح النوي) (12/ 243) .
(5) - انظر: (مقالات الإسلاميين) (1/ 180) .
(6) - انظر: (المغني مع شرح الكبير) (9/ 335) .
(7) - رواه البخاري في كتاب المغازي رقم (3935) وكتاب الديات رقم (6364) ومسلم كتاب الإيمان رقم (140 - 141) وأبو داود في الجهاد رقم (2272) وأحمد في مسند الأنصار رقم (20750 - 20803) .
(8) - انظر: (جامع العلوم والحكم) (ص72) ط: دار الفكر.