باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة) [1] وقال في نفس الرسالة: (فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا؛ وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها؛ وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبية، الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح:(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) ، وإن كان هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره؛ كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، كان تفويت هذه الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: (من أعادها فهو مبتدع) . وهذا أظهر القولين). ثم بين رحمه الله أوسط الأقوال في تقديم إمام مبتدع مع القدرة على غيره، ثم فرق بين المعلن للفجور والبدع وغير المعلن فقال: (لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره) . فمن كانت له قدرة على تنحيته من المحراب ولم يفعل فصلاته باطلة في مذهب مالك وأحمد وقال أيضا: (فإن كان مظهرًا للفجور أو للبدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته) ، إن اقتضت المصلحة ذلك وإلا بحثنا عن أحسنهما عقيدة (وإن كان في هجر مظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجر) . وأيضًا لا بد من التفريق بين الداعية لبدعته -كالطرقية والروافض والجماعات المبتدعة -وغير الداعية كما فرق في ذلك جمهور الأئمة -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة) . فصلاتنا خلفه تزكية له عند العامة، فالصلاة خلف المبتدع والفاجر من غير عذر باطلة عند جل العلماء ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور: وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور، وتفصيل ليس هذا موضع بسطه ... وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء، منهم من قال: إنه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًا عنها فيعيدها) [2] . وسيأتي مزيد تفصيل عند الحديث عن إمامة الفاسق والمبتدع، أقول: فقبل أن نعتزل المساجد يجب علينا أن نتأكد مما تقدم من التفصيل حتى لا نقع فيما وقع فيه (جماعة الهجرة والتكفير) . في طنجة، وتطوان، والدار البيضاء، وإمزورن، والحسيمة، وتركيست، ولنا معهم مناظرات ومناقشات، لكن من غير فائدة، فهم كما قال أحمد شاكر رحمه الله: (وإنك لتدخل كثيرًا من مساجد المسلمين فترى قومًا يعتزلون الصلاة مع الجماعة طلبًا للسنة زعموا! ثم يقيمون جماعات أخرى لأنفسهم ويظنون أنهم يقيمون الصلاة بأفضل مما يقيمها غيرهم، ولئن صدقوا لقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم، فلا ينفعهم ما ظنوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السنن والمندوبات، وترى قومًا آخرين يعتزلون مساجد المسلمين ثم يتخذون لأنفسهم مساجد أخرى ضرارًا وتفريقا للكلمة وشقًا لعصا المسلمين، نسأل الله العصمة والتوفيق وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا إنه سميع الدعاء) [3] فالصلاة خلف مستور جائزة بلا خلاف بين الأئمة، بل قالوا من ترك الصلاة خلف مستور الحال فهو مبتدع. ويعجبني في هذا الموضوع ما جاء في كتاب (الجامع لطالب العلم) [4] ( ... فالساكت بهذه البلاد لا يخلو حاله من حال ثلاث: أن يكون ظاهره الإسلام أو لا يظهر منه شيء يدل على إسلام أو كفر.
أ- فمن كان ظاهره الكفر من كافر أصلي أو مرتد، فهو كافر حكمًا، كالنصراني واليهودي والشيوعي الملحد والمرتد بترك الصلاة، أو سب الدين، أو عبادة المقبورين بالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح، أو غيرها من أسباب الردة.
ب- ومن كان ظاهره الإسلام، فهو مسلم حكمًا، وهو المسمى بالمسلم مستور الحال، وهو من ظهرت منه علامة من علامات الإسلام، ولم يعرف عنه ناقض من نواقضه، وذلك لأن علامات الإسلام هي أسباب ظاهرة رتب عليها الشارع الحكم لصاحبها بالإسلام، فيثبت له حكمه، إلا أن يعارض هذا الظاهر ظاهر أقوى منه كإتيانه بناقض للإسلام فيرجّح عليه، فما لم يُعرف عنه ناقض للإسلام فحكم الإسلام ثابت له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم) [5] قال ابن حجر في شرحه: (وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعائر الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك) . وقد أخطأ في حكم مستور الحال طائفتان:
(1) - انظر: (قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة) (ص15) وما بعدها (ص29 - 30) وهي عبارة عن فتوى لابن تيمية.
(2) - انظر: (مجموع الفتاوى) (23/ 344) .
(3) - انظر: (حاشية جامع الترمذي) (1/ 431) .
(4) - (2/ 554/ إلى 565) .
(5) - رواه البخاري في كتاب الصلاة رقم 378 - 379 والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه رقم 4911 انظر (فتح الباري) (1/ 497) .