المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك) [1] قلت: ولم يشتهر بين المسلمين بصلاح ولا استقامة، وهذا الأخير مهم جدًا، إذ لو اشتهر بصلاح واستقامة خرج عن حد مستور الحال إلى الإمام العدل إن استوفى باقي الشروط، وكذا لو علم فسقه وبدعته لخرج عن حد الاستتار ولحق بإمام الغي والضلال، وما قاله شارح الطحاوية غير مسلم، تأمل.
ثانيا: حكم إمامته:
اتفق أهل السنة على صحة الصلاة خلف هذا الصنف من الأئمة وعدم السؤال عن معتقده والبحث عن حاله، وقرروا أن ترك الصلاة خلفه من علامات أهل البدع، والبحث عنه وعن معتقده بدعة خارجية، قال ابن حزم في (رسالة الإمامة) : (ذكرت أنك رأيت الرجل يصلي خلف الرجل الإمام أياما كثيرة لا يدري مذهبه، فاعلم -عافانا الله وإياك- أن البحث عن مثل هذا أحدثه الخوارج، فهي التي كشفت الناس مذاهبهم، وامتحنتهم في ذلك، وسلك سبيلهم المأمون والمعتصم والواثق مع ابن أبي داود وبشر المريسي ومن هنالك؛ وما امتنع قط أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- ولا من خيار التابعين من الصلاة خلف كل إمام صلى بهم؛ حتى خلف الحجاج وحبيش بن دلجة، ونجدة الحروري، والمختار، كول متهم بالكفر، وقيل لابن عمر في ذلك، فقال: إذا قالوا حي على الصلاة أجبناهم، وإذا قالوا حي على سفك الدماء تركناهم إلى أن قال: فإن كنت لا تستجيز الصلاة خلف من سميت لك، فقد خسرت صفقتك) قال ابن قدامة [2] (وإن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الإتمام به فصلاة المأموم صحيحة، نص عليه أحمد لأن الأصل في المسلمين السلامة) . وقال ابن تيمية حين سئل عن الصلاة خلف المرازقة، وعن بدعتهم. فأجاب: يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة، ولا فسقا، باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، وليس من شرط الإتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال، ولو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع، ففي صحة صلاته قولان مشهوران في مذهب أحمد، ومالك، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وقول القائل لا أسلم مالي إلا لمن أعرف، ومراده لا أصلي خلف من لا أعرفه، كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه، كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام، فإن المال إذا أودعه الرجل المجهول فقد يخونه فيه، وقد يضيعه الخ) [3] وقال في موضع آخر: (ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات، لا يدعون الجمعة والجماعات كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستورًا لم يظهر منه بدعة ولا فجور، صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة أنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره، بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المستور ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاحر، كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر، وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم، وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب [4] كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحد أنه لا تصح إلا خلف من عرف حاله، ولما قدم أبو عمرو وعثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية- أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه لأجل ذلك، ثم بعد موته فتحها ملوك السنة، قبل صلاح الدين وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر، فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال إن الصلاة محرمة أو
(1) - انظر: (شرح العقيدة الطحاوية) (ص309) تحقيق أحمد شاكر وبتحقيق الألباني (ص373) وما بعدها و (أصول العقيدة) (ص147) وما بعدها.
(2) - انظر: (رسائل ابن حزم) (3/ 207 - 208 رقم الرسالة 7) و (المغني مع الشرح الكبير) (2/ 27) و (مجموع الفتاوى) (23/ 351) و (قاعدة أهل السنة والجماعة) (ص15) .
(3) - انظر: (مجموع الفتاوى) (23/ 351) وانظره في العقيدة الطحاوية نفس كلام ابن تيمية السالف الذكر والأعدل أن يسمى بشرح العقيدة الطحاوية لابن تيمية لأن ابن أبي العز إنما ركب كلام ابن تيمية كشرح على كلام الطحاوي، ومعظم الشرح منقول من كلام ابن تيمية في مواضع متعددة من مجموع فتاويه بنصه، ولا أشك في أن كلام ابن تيمية هو الذي جعل للكتاب هذه الأهمية.
(4) - قلت: إذا كان البلدة معروفة بالطرقية الأنجاس المستغيثين والمستعيذين والمستعينين بغير الله فهو على جهة الوجوب لا على جهة الاستحباب.