هذا الذي يتولى إدارة الحرمين الشريفين، وإمامة الحرم المكي طهره الله من أمثاله، الذي طالما أسمعنا خطبًا في تعظيم الطاغوت وتأليهه [1] بل وحتى الكذب والافتراء في المدح قربة إلى الظالمين. أقول: هذا المدعو السبيل في إحدى مسابقات إمامة الحرم المكي فاز الشيخ عباد الهادي بن أحمد كناكري (سوري الجنسية في الأصل، لكنه تحصل على جنسية سعودية) بإمامة الحرم. في هذه المسابقة، وقد أتاه الله صوتًا شجيًا نديًا، وكان عليه بعد الفوز أن يقابل مدير الحرم، وبعد المقابلة التي أجراها معه هذا المدعو السبيل، قال له: أنت لست سعودي الجنسية ويشترط لإمامة الحرم أن يكون الإمام سعوديًا، سبحان ربي العظيم، كلام السبيل نسخ أو مسخ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) [2] .
صفات الإمام:
إن من مقاصد الشريعة ألا يؤم المسلمين إلا خيارهم وأعلمهم وأفقههم وأتقاهم لله لأن إمامة الصلاة منصب شريف، وعمل عظيم، لا ينبغي أن يتقدم إليها إلا من يكون منزهًا عن الصفات التي لا تليق بها، ومن جهل أهل هذا الوقت بالإسلام، وتهاونهم بحرماته: أنهم يقدمون لإمامة الصلاة [3] من لا يصلح لها ولا يستحقها بل يقدمون الذي يستحق أن يكون إمامًا للمرحاض لا للمحراب -إن إمامة الصلاة كانت عند الصحابة أشرف منصب في الدين لا يتقدم إليها إلا أفضل الناس وأعلاهم منزلة، وأتقاهم معتقدًا بل بها استعل الصحابة على أفضلية أبي بكر وأهليته للخلافة لأنهم فهموا من تقديم النبي صلى الله عليه وسلم -له لإمامة الصلاة في مرضه الذي مات فيه- أنه أولى بالخلافة من غيره وأحق بها [4] ومن هذه الصفات التي ينبغي توفرها في إمام المسجد:
1 -أن يكون حافظًا لشيء كاف من كتاب الله متقنًا لتلاوته وإن كان حافظًا للقرآن كله فهو أتم وأحسن، وذلك ليؤم الناس به ويسمعهم في الصلوات الجهرية، لأن تلاوة القرآن على الناس وقت الصلاة نفعها عظيم جدًا كما أنه يستطيع أن يعظ الناس ويذكر لهم الأحكام في تلاوته بحسب المناسبات التي تمر
(1) - وقد رأينا بأم أعيننا صورته، وكيف ألبسه الله وكساه ثوب الذل والصغار، وهو يجري بجانب الطاغوت الأعور، نعم إنها الحقيقة التي تضيق بها صدور أولياء الله المخلصين، ترى الطاغوت راكبًا للسيارة معظمًا مبجلًا والشيخ العالم، بل قد دعي العلم يجري بجانبه على قدميه، وهو له معظمًا موقرًا مبجلًا، وعلى وجهه أمارات الولاء والخنوع، فلم يرع للعلم والدين حرمة، أين عزة العلم؟ أين عزة العلم؟ في مواكب طواغيت الجزيرة ترى المشايخ في المسيرة.
ومن صفات العلماء الربانيين: بعدهم عن السلاطين محترزين عن مخالطتهم، فيفرون منهم فرارهم من المجذوم لئلا يفتنوا بهم ويتعلقوا بدنياهم، فيصبحوا مطية لهم يرتحلونهم متى شاءوا فيزينوا لهم الباطل حسب أهوائهم، فبئس ما صنعوا وبئس المنقلب منقلبهم، قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال أبواب السلاطين، يدخل أحدكم عن السلطان فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. كما يفعل ابن عثيمين وابن باز وربيع الدخلي والسبيل وغيرهم من علماء الطاغوت، هداهم الله للتوبة والرجوع إلى سيرة السلف. سيرة سعيد بن المسيب حيث يقول: (إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص) وقال بعض السلف: (إنك لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك أفضل منه) .
(2) - سبق تخريجه.
(3) - يقدمه وزير الأوقاف يساومه بالشروط التي يريدها كأنه يشتغل عنده للأسف ويجد من يستجيب لشروطه النجسة التي تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) - إن إمام المسجد له رتبة عظيمة ومنزلة عالية في المجتمع المسلم وأكبر دليل على ذلك أن الإمام الأول للمسلمين هو الرسول القدوة والحاكم العادل والقائد الشجاع والمعلم المربي والخطيب المؤثر صلى الله عليه وسلم لهذا كان لا بد لإمام المسجد الذي نختاره ليؤم الناس من صفات نشترطها فيه لكي تتحقق مصلحة المجتمع المسلم من هذه المسئولية العظيمة ولكي يقوم بدوره الإيجابي في نشر الخير بين الناس كما كان الإمام الأول للمسلمين صلى الله عليه وسلم.