الصفحة 17 من 80

قل الأمر نفسع بالنسبة للصفات الأخرى: (الأحسن وجهًا، الأحسن صوتًا، الأكثر جاهًا، الأكثر مالًا) . وانتقل معي -قارئي العزيز- إلى هذه الصفات الغريبة العجيبة (الأكبر رأسًا) واضحك ما شاء لك الضحك، من هذه العقول السخيفة التي سطرت هذا الكلام، دون خجل أو حياء، زاعمة أنه هو الذي أنزله الله تبارك وتعالى.

وقد نهضم ما سبق جميعه ونمرره، ولكن ماذا نقول في هذا الوصف الأخير المخزي: (فالأصغر عضوًا -ذكرًا) ، الذي يجب أن يضرب به وجه صاحبه، ويعزر عليه، ويجعل عبرة للناس، لافترائه على دين الله وتشويهه الشريعة السمحة؟ أليس يدل هذا على درجة بالغة في انحطاط التفكير، وسماحة الطبع، وفساد الذوق، وقلة الأدب، وهب أيضًا: أن قومًا قاموا إلى الصلاة وتساووا في الصفات السابقة كما يتخيل هذا الفقيه، وأرادوا تطبيق هذا الوصف الأخير، فكيف ينفذون ذلك؟ إنني أترك للقارئ الكريم أن يتخيل الطريقة العملية التي يراها هؤلاء الفقهاء لتنفيذه، والحقيقة إنني أكاد أذوب خجلًا، وأنا أسطر هذا الكلام ناقدًا وقادحًا، ترى كيف كتبه هؤلاء مقررًا ومثبتًا؟ ومثله في السخافة ما قاله شهاب الدين عبد الرحمن محمد بن عسكر: (الجماعة سنة مؤكدة ولا يؤم إلا مسلم عدل، ذكر، عالم بما لا تصح الصلاة إلا به بالغ في الفريضة مميز في النافلة، وكره كون العبد وولد الزنا راتبًا، ويستحب كونه أكملهم زيًا وخلقًا، فيكره الأغلف، والأقطع، والأشل، والأعمى، والمتيمم للمتوضئين، وذو سلس، والجروح السائلة للأصحاء، وبدوي للحاضرين، ومسافر للمقيمين، ولا تقدّم على الحاكم، ورب المنزل إلا بإذنهما، وفي اجتماع الأهل يقدم الأفقه، فإن استووا فالقرعة، الخ ولعله يحسن أن نبين للقارئ الكريم ما نراه حكم الدين في مسألة الإمامة في الصلاة ليرى البون الشاسع بين فقه الكتاب والسنة، وبين فقه المذهبية العصبية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وأقدمهم قراءة فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كان هجرتهم سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ولا يؤم الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك أو إلا بإذنه) [1] واعتقادنا أن هذا الحديث وحده يكفي ليكون الفصل أو الفيصل في هذا الموضوع، ولا حاجة أبدًا إلى تلك الحذلقات، التي أوردها من أوردها من أشباه الفقهاء، الذين لم يشموا رائحة العلم الصحيح، ولم يتذوقوا فقه السنة الرفيع، وما أصدق ما قال قائلنا:

إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ... وجاء ببدعة منه سخيفة ...

أتيناهم بقول الله فيها ... وآثار مبرزة شريفة

وقال أبو الحسن الشاذلي شارح الرسالة: (شروط الإمامة تسعة: الأول: الطهارة فلا تصح إمامة من صلى محدثًا متعمدًا، الثاني: أن لا يكون مأمومًا فمن اقتدى بمسبوق أو بمأموم ظنه إمامًا بطلت صلاته، الثالث: الإسلام، الرابع: الذكورة فلا تصح إمامة المرأة مطلقًا، الخامس: البلوغ فلا تصح إمامة غير البالغ في الفرض إلا لمثله، السادس: العقل فلا تصح إمامة المجنون ولا السكران، السابع: الحرية وهي شرط في الجمعة، الثامن: السلامة من الفسق بالجارحة فلا تصح إمامة الزاني وشارب الخمر، التاسع: القدرة على الأركان فلا تصح إمامة العاجز عن الركوع مثلًا إلا أن يكون المأموم أيضًا عاجزًا عنه وكذلك العاجز عن أحكام الصلاة فلا تصح إمامته إلا لمثله، واختلف هل تصح إمامة من لم يميز بين الضاد والظاء وإمامة اللاحن [2] وتصح الصلاة خلف المخالف في الفروع، الظنية كالمالكي خلف الشافعي) [3] قلت: وما قاله غير مسلم. قال أحمد الدردير: (وكره للإمام إطالة ركوع لداخل وشرطه إسلام وتحقق ذكورة وعقل، وكونه غير مأموم، ولا متعمد حدث، فإن نسيه أو غلبه صحت للمأموم إن لم يعلم به قبلها أو علمه فيها ولم يستمر وقدرة على الأركان لا إن عجز إلا أن يساويه المأموم فيصح إلا المومي بمثله، وعلم بما تصح به، وقراءة شاذة وصحت به إن وافقت رسم المصحف، وبلحن ولو بالفاتحة، وأثم إن وجد غيره وبغير مميز بين كضاد وطاء، لا إن تعمد وبلوغ في فرض، وبجمعة حرية وإقامة، وأعاد بوقت في بدعي، وكره فاسق بجارحة، وأعرابي لغيره، وذو سلس وقرح لصحيح، وأغلف ومجهول حال، وترتب خصي، ومأمون وولد زنًا، وعبد في فرض أو سنة.

ومثله في المخالفة للسنة ما قاله محمد بن أحمد الشنقيطي: (ويشترط في الإمام أن يكون مسلمًا ذكرًا عاقلًا بالغًا عالمًا بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه قادر على الإتيان بالأركان، وتجوز إمامة الأعمى والمخالف في الفروع ولا تصح صلاة الفرض خلف غير البالغ إلا لمثله، وأما النفل فيصح خلفه مطلقًا ولا أمي إلا لمثله، ولا امرأة ولو لمثلها، وإن تبين أن الإمام كافر أو خنثى أو امرأة أو صبي أو غير عاقل أو محدث إن علم بحدثه أو علمه مؤتمّه أو عجز عن ركن فالصلاة باطلة تجب إعادتها وتكره إمامة بدعي وفاسق، وأقطع، وأشل، ومن يكرهه الناس لدينه، وذو سلس وقروح لصحيح، وأعرابي لغيره، وترتيب ولد

(1) - رواه مسلم في كتب المساجد ومواضع الصلاة (1078 -1079) والترمذي كتاب الصلاة (218) وأبو داود في كتاب الصلاة (494) والنسائي كتاب الإمامة (772 - 775) وابن ماجة كتاب إقامة الصلاة والسنة (970) أحمد في كتاب باقي مسند المكثرين (12204) ومسند الشاميين 16446 - 16472 - 16479 - 21308).

(2) - قال ابن عاشور: في (تفسيره التحرير والتنور) (15/ 411) : ( .. للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحان ومن لا يحسن القراءة مطلقًا أو إذا كان عامدًا إذا كان فذًا في بطلان صلاة من خلفه أيضًا إذا كان اللاحن إمامًا) .

(3) - من (متن العزية للجماعة الأزهرية) (71 وما بعدها) وهو كغيره من كتب المذهب التي تخالف السنة في أقوالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت