المسألة الأولى: يختص المسح بالطهارة الصغرى دون الكبرى؛ لحديث صفوان، إلا الجبيرة [1] فإنه يمسح عليها في الكبرى أيضًا إلا أن يحلها؛ لحديث صاحب الشجة. [2]
المسألة الثانية: اختلف العلماء في توقيت المسح على الخفين: فذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى أن المسح مؤقت للمسافر ثلاثة أيام بلياليها وللمقيم يوم وليلة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم وهو مذهب إسحاق والثوري والأوزاعي. ورجَّحه ابن عبد البر، والصنعاني، والشوكاني، ومال إليه الشنقيطي في أضواء البيان.
واستدل هؤلاء بأدلة: منها: ما رواه عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَال: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. -يعني فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» . [3]
ومنها: حديث صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سفرًا، أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» . [4]
وذهب الليث بن سعد ومالك في المشهور عنه إلى عدم التوقيت، فمن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له، والمسافر والمقيم في ذلك سواء، وروي مثل ذلك عن عمر ابن الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري. واحتجُّوا بما رواه أبو داود عَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «يَوْمًا» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَيَوْمَيْنِ» قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ وَمَا شِئْتَ» وفي رواية: حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ وَمَا بَدَا لَكَ» . [5]
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية عدم التوقيت في حال الضرورة.
قال في الفتاوى: مسحه مؤقت عند الجمهور؛ فإن فيه خمسة أحاديث عن النبي، لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر، مثل أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق، أو يخاف إذا فعل ذلك
(1) والجبيرة: هي ما يشد به الكسر أو الجرح من أعواد أو خرق أو نحو ذلك.
(2) الطهارة: 1/ 23. وحديث صاحب الشجة أخرجه أبو داود: 336، من حديث جابر رضي الله عنه، قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته اهـ. وانظر: تلخيص الحبير: 1/ 147. وسيأتي حديث صفوان في المسألة التالية.
(3) رواه مسلم: 1/ 232.
(4) أخرجه النسائي: 127، والترمذي: 96، واللفظ له وقال: حسن صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان. وقال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي.
(5) رواه أبو داود: 158، وقال: وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقويِّ. وقال النووي: وهو حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث. وقال ابن عبد البر: وهو حديث لا يثبت وليس له إسناد قائم.