وذهب النخعي والحسن وأبو حنيفة إلى أنَّه لا يجوز الجمع في السفر لا تقديمًا ولا تأخيرًا. وأجابوا عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري. وصورته عندهم: أنه أخَّر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها وعجَّل العشاء في أول وقتها. [1] وتعقبه الخطابي وغيره [2] بأن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة. ذكر ذلك الحافظ ثم قال: الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، ومما يَرُدُّ الحمل على الجمع الصوري جمع التقديم. [3]
المسألة الثالثة: الجمع نازلًا:
اختلف العلماء في جمع المسافر حال نزوله: فذهب مالك والليث إلى أن المسافر لا يجمع إلا إذا جَدَّ به السير، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ» . قال ابن القيم: ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبًا في سفره كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضًا، وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السير، وإذا سار عقيب الصلاة، كما ذكرنا في قصة تبوك، وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا اهـ. [4]
وذهب الشافعي وأحمد إلى جواز جمع المسافر في نزوله وسيره. قال العراقي: وحكى أبو العباس القرطبي عدم اشتراط الجدّ في السفر عن جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر اهـ. [5]
واستدل هؤلاء بأدلة: منها ما رواه مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا؛ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ؛ وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ الْمَغْرِبِ» . [6] وفي الموطأ عن معاذ رضي الله عنه: «أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ تَبُوكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
(1) المبسوط للسرخسي: 1/ 149.
(2) وممن تعقبه أيضًا ابن عبد البر في الاستذكار: 2/ 208 - 209، وابن قدامة في المغني: 3/ 129.
(3) فتح الباري: 2/ 675.
(4) زاد المعاد: 1/ 381.
(5) طرح التثريب في شرح التقريب: 3/ 117.
(6) رواه الترمذي: 553، وقال هذا حديث حسن.