الصفحة 23 من 73

وذهب جمع من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله إلى أنَّ المسافر يقصر ما لم ينوِ الاستيطان أو الإقامة المطلقة طالت المدة أم قصرت.

قال شيخ الإسلام: وأما من تبيَّنَتْ له السنة وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود لا ثلاثة ولا أربعة ولا اثنا عشر ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها فأقام سنين يقصر الصلاة [1] وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر؛ كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة؛ وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة يعلم أنَّه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل له فما دام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورًا والله أعلم. [2]

وقال في موضع آخر: والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا لغة ولا عرف اهـ. [3]

وقال ابن القيم: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع. -إلى أن قال-: وقال عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة، يقصرها سعد ونتمها. [4] وقال نافع: أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول. [5] وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر. [6] وقال

(1) أخرجه ابن أبي شيبة: 2/ 200، وعبد الرزاق 2/ 537، عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسلة فقصر وأقام سنين يقصر. قال: قلت له: يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: التماس السنة. وقصر حتى رجع.

(2) مجموع الفتاوى: 24/ 18.

(3) المرجع السابق: 24/ 137.

(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: 4335، وإسناده جيد.

(5) أخرجه البيهقي في الكبرى: 5263. قال ابن حجر في التلخيص: إسناده صحيح.

(6) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن روى عبد الرزاق في مصنفه (حديث رقم: 4354) : أن أنس بن مالك رضي الله عنه أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين ركعتين. ورواه البيهقي. قال النووي: وفي مسنده عبد الوهاب بن عطاء مختلف فيه وثَّقه الأكثرون واحتج به مسلم في صحيحه. (نصب الراية: 2/ 185)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت